عامالمقالات

قراءة في دعوة وزير الاعلام

في لحظة التحولات الكبرى والأزمات لا تكون المعركة فقط في الميدان العسكري او في أروقة السياسة ولكن هناك ميدان مهم جداً وهو ميدان الوعي والخطاب الاعلامي، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تصريح معالي وزير الاعلام السعودي عبر منصة اكس: “بخطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول، أدعو إخواني وأخواتي الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون لأن نقف صفًّا واحدًا في مواجهة كل من يستهدف أمن دولنا واستقرارها، لتبقى وجهتنا واحدة: دول قويٌة مستقرة في وجه العدوان.
‏حفظ الله دولنا وقياداتها وشعوبها، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها”.
بانه يحمل في طياته إشارات اعمق تتصل بطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة وبالدور الذي ينتظر من الاعلام في ظل التحديات المتصاعدة .
حين ما يدعو الوزير الإعلاميين في دول مجلس التعاون الخليجي الى الوقوف صفا واحدا بخطاب اعلامي مسؤل فانه في الواقع يلامس واحدة من اهم القضايا الاستراتيجية في زمن الازمات، فالعالم المعاصر لم يعد يعتمد على القوة الصلبة بل أصبحت القوة الناعمة وصناعة الخطاب الاعلامي جزء أساسي من موازين القوى بين الدول، وقد اثبتت التجارب الحديثة ان الدول التي تفشل في توحيد خطابها الإعلامي في أوقات الازمات تترك فراغا واسعا تملؤه الشائعات والدعاية المعادية والتاويلات المغرضة .
ان الدعوة بهذه الصورة لا تعني الغاء التعدد او مصادرة الآراء وانما تعني وجود اطار وطني واقليمي مشترك يحكم طريقة تناول القضايا المصيرية التي تمس امن الدول واستقرارها، فالاعلام حين يتعلق بالامن القومي لا يمكن ان يكون مجرد منصة للراي فقط ولكن سيصبح جزاء من منظومة الوعي العام التي تساهم في تعزيز التماسك الداخلي وحماية المجتمع من محاولات الاختراق الفكري والإعلامي .
كما ان اللافت في التصريح انه لم يخاطب اعلام دولة بعينها بل توجه الى الإعلاميين في دول الخليج كافة وهو ما يعكس إدراكا عميقا بان التحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تحديات منفصلة او محصورة في نطاق دولة واحدة ، فالتهديدات الأمنية والسياسية في المنطقة ذات طبيعة مترابطة واي استهداف لامن دولة خليجية ينعكس بشكل او بآخر على بقية الدول، ولهذا فان تعزيز وحدة الخطاب الإعلامي بين هذه الدول يصبح امتداداً طبيعيا لفكرة الامن الجماعي التي تقوم عليه دول المجلس .
وفي هذا السياق يمكن النظر الى الدعوة باعتبارها تاكيداً على ان الاعلام الخليجي لم يعد مجرد ناقل للاحداث بل اصبح شريكا في صياغة الوعي الاستراتيجي للمجتمع ، فالمجتمعات الحديثة تتشكل مواقفها السياسية والاقتصادية والأمنية بدرجة كبيرة من خلال الخطاب الإعلامي ، وهو ما يجعل مسؤلية الإعلاميين مضاعفة في أوقات الازمات .
كما ان استخدام عبارة ( في مواجهة كل من يستهدف امن دولنا واستقرارها ) يعكس إدراكاً واضحا لطبيعة الصراع في المنطقة وما وصلت اليه التطورات في الآونة الأخيرة من استهداف جماعي لدول الخليج اثر الحرب الامريكية الاسرائلية على ايران .
ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بالامن الاعلامي وهو مفهوم اصبح جزء من منظومة الامن الوطني في كثير من الدول، فكلما تحرص الدول على حماية حدودها فانها أصبحت مطالبة أيضا بحماية فضائها الإعلامي من محاولات التظليل ، والاعلام المسؤل هو خط الدفاع الأول في هذه المعركة .
والدعاء في اخر التصريح بحفظ دول الخليج وقيادتها وشعوبها يحمل بعداً رمزياً يعكس طبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع في دول المجلس ، وهي علاقة تقوم في جانب كبير منها على مفهوم الاستقرار كقيمة مشتركة .
ان القراءة لهذا التصريح يكشف انه ليس مجرد رسالة إعلامية بل دعوة لتجديد مفهوم المسؤلية الإعلامية، فالاعلامي اليوم ليس مراقب للاحداث ولكنه اصبح طرفا مؤثرا في تشكيل البيئة الفكرية والنفسية التي تتحرك داخلها المجتمعات.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من توترات وتحولات متسارعة تبدو هذه الدعوة تذكيرا مهما بان الكلمة قد تكون في بعض الاحيات لها تاثير في القرار السياسي وان الوعي الإعلامي المسؤول يمكن ان يشكل احد اهم عناصر القوة في مواجهة التحديات .
ولهذا فان الرسالة الاعمق التي يمكن استخلاصها من هذا التصريح هي ان الاعلام حين يتحلى بالمسؤولية والوعي الاستراتيجي يتحول من مجرد ناقل للاحداث الى شريك في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل ، وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية وتتعاظم فيها المنافسات الجيوسياسية يصبح الاعلام والوعي جزء لا يتجزاء من منظومة الامن والاستقرار التي تسعى دول الخليج الى ترسيخها والحفاظ عليها .
حفظ الله بلادنا وقيادتنا وشعوبنا من كل مكروه ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى