ليست صورة العرب في الوعي العالمي مسألة ذوق ثقافي أو اختلاف حضاري بريء، بل هي نتاج تاريخ طويل من التمثيل المعرفي الذي تشكّل في سياقات دينية واستعمارية وسياسية. فمنذ نشأة الخطاب الاستشراقي، لم يُقدَّم العربي بوصفه ذاتًا فاعلة، بل بوصفه “آخر” يتم تعريفه من الخارج، واختزاله في صور نمطية جاهزة.
لقد أسهم الاستشراق، بوصفه خطابًا معرفيًا، في بناء صورة للعرب تتسم بالجمود، أو العنف، أو الغرائبية، وهي صورة لم تبقَ حبيسة الكتب الأكاديمية، بل انتقلت إلى الأدب، ثم إلى السينما، ولاحقًا إلى الإعلام العالمي، حيث أعيد إنتاجها بأدوات أكثر تأثيرًا وانتشارًا.
ومع التحولات الكبرى في العالم العربي، كان يُفترض أن تتراجع هذه الصورة، غير أنها استمرت، لا لقوتها الذاتية فحسب، بل لضعف المبادرة العربية لفترات طويلة، حيث انشغل الخطاب العربي بالدفاع عن الذات بدل إنتاج سرديته الخاصة.
في هذا السياق، تبرز رؤية السعودية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد – حفظه الله- بوصفها تحولًا نوعيًا في التعامل مع صورة العرب، إذ لم تنطلق من منطق الرد على الاتهام، بل من بناء نموذج حضاري معاصر، يوظف الثقافة، والفنون، والتراث، والسياحة، والخطاب الديني المتجدد، بوصفها أدوات قوة ناعمة قادرة على مخاطبة العالم بلغته.
كما شهد الخطاب الديني مسارًا إصلاحيًا ركّز على إبراز قيم الوسطية والتعايش، وتصحيح المفاهيم التي طالها التشويه، خاصة تلك التي ربطت الإسلام بالعنف أو الانغلاق، وهو ما أسهم في تفكيك أحد أكثر المرتكزات رسوخًا في الصورة الاستشراقية.
إن تصحيح صورة العرب لا يتحقق بالشعارات، بل عبر آليات عملية، من أبرزها: الانتقال من خطاب رد الفعل إلى المبادرة الثقافية، والاستثمار الجاد في الترجمة، وتوظيف الفنون والإعلام بوصفها أدوات سردية، وبناء شراكات دولية فاعلة.
فصورة العرب ليست قدرًا محتومًا، بل بناء معرفي يمكن تفكيكه وإعادة تشكيله. والانتقال من سؤال: كيف نُرى؟ إلى سؤال: كيف نُعرّف أنفسنا للعالم؟ هو جوهر التحدي الثقافي في المرحلة الراهنة.
إلى اللقاء

