إنا لفراقك يا أستاذي ومربي الأجيال، أبو عبدالله ثابت بن سلطان العرابي الحارثي لمحزونون، ولكن عزاءنا أنك انتقلت إلى رحمة الله في الشهر الفضيل، بل في العشر الأواخر من رمضان، وهذه – بإذن الله – من علامات حسن الخاتمة.
وقبل أن أعزي أسرة الفقيد، أحسب أنني – والله – من يُعزّى في فقده؛ فقد درست على يديه في مدرسة موسى بن نصير الابتدائية في الطائف في الصف السادس. وكان مختلفًا عن كثير من المعلمين في ذلك الوقت الذين كانوا يعتمدون على الشدة والغلظة والضرب أحيانًا لإيصال المعلومة للطلاب، وهو الأسلوب الذي كان سائدًا في التعليم آنذاك.
أما المربي المعلم ثابت بن سلطان فقد سبق عصره في التربية باللين والمحبة والترغيب وروح الأبوة. وقد حظيت بأن أكون واحدًا ممن تعلموا وتربّوا على يديه، فامتد أثر تلك التربية والتعلق به حتى قبل وفاته – رحمه الله – إذ لم يكن أستاذًا أو معلمًا لوقت محدد أو مرحلة دراسية بعينها، بل ظل يتابع ويشجع طلابه الذين غرس فيهم حب العلم والتعليم.
فأحبهم وأحبوه، وانتشرت دائرة الذين تربّوا على يديه في شتى أنحاء المملكة، واستمرت العلاقة بينهم وبين والدهم ومربيهم. وأنا أحد الذين تشرفوا بحبه لي وعمق محبتي له طوال السنين.
لقد تمثلت فيه الصفات والسمات التي ولد بها وصقلتها التربية والتعليم، وكان ممن تنطبق عليهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
فأستاذي ومعلمي ثابت بن سلطان تجاوز الدرجة الوظيفية التي كان يحملها والمستوى الذي كان يعيش فيه المعلمون في زمنه، بأخلاقه وعلمه وحرصه وفهمه العميق لرسالة التعليم. وهو ممن ينطبق عليهم القول: «كاد المعلم أن يكون رسولًا».
ولهذا قلت وأؤكد أنه قدوة، ومن خير القدوات.
أما مرحلة ما بعد تقاعد أستاذي أبي عبدالله، فقد أوقف حياته لخدمة الناس والسعي لإسعادهم وقضاء حوائجهم، خاصة حين عمل في مستشفى النور بمكة المكرمة. ولا مجال هنا للاستطراد في ذكر نماذج من خدماته وإنسانيته الراسخة في شخصيته، فقد أكدها من تعامل معه عن قرب، ومنهم الدكتور فهد بن ساعد العرابي الحارثي لسنوات عديدة، وكذلك البروفيسور الدكتور حسن الزهراني – المتخصص في الأوعية الدموية، والمدير الفني لمستشفى النور في ذلك الحين – بارك الله فيه وفيما كتب عنه.
ومهما كتبت أو ذكرت عن أستاذي ثابت بن سلطان فلن أوفيه حقه.
وأكرر عزائي لأبنائه البررة الذين هم نتاج تلك التربية النموذجية:
اللواء عبدالله، والدكتور خالد، والمهندس محمد، والدكتورة نداء، وأخي الصديق العزيز الدكتور فهد بن ساعد، وأسرته الكريمة، ومحبيه كافة.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا جميعًا الصبر والسلوان.
زر الذهاب إلى الأعلى