لمن تكن الروايات أو القصص الأدبية يومًا مجرد حكايًا تُروى للتسلية، أو البوح عن أفكار الكاتب وآرائه، بل هي رحلة ثقافية تُدون أحداثًا وقصصًا قد تكون حصلت على أرض الواقع، أو نسجًا إبداعيًا من خيال الكاتب، تحفظ لنا أحداث حقبة زمنية، أو نقلة حضارية تعيشها الأمم.
وفي السنوات الأخيرة ازدهرت الكتابة الأدبية السعودية، فلمعت أسماء جعلت من الأدب سجلًا اجتماعيًا تحاول بواسطته معالجة بعض القضايا التي يُعانيها المجتمع، سواءً أكانت على المستوى المحلي أو المستوى العام. وتُشكل قضايا المرأة السجل الأوسع من القضايا الاجتماعية التي ترددت بين جريء يحكيها.. ومتردد يصد عنها.
وليس أصدق من مناقشة قضايا المرأة حينما تُعالجها المرأة بنفسها، وتحكيها من عمق يُلامسها وتعيش أبعاده، فحينما تُروى الحياة من لسان لامس المعاناة، وتقلب في تفاصيل مواجعها، فإنه سيستطيع تصويرها للعالم كمشهد سينمائي يُعرض أمام القارئ محملًا بتفاصيل وأبعاد ملموسة لا محكية، ولعل آخر ما قرأت في ذلك قصة “قلب للإيجار” للأديبة السعودية ياسمين الفردان، وهي من الروايات التي صدرت بداية العام الماضي ٢٠٢٥م.
نُسجت القصة بطابع سردي درامي سلس، بعيدًا عن التفاصيل الغامضة، أو الأحداث الملتوية التي تُشتت ذهن القارئ؛ إذ تروي الفردان قصة (حصة) الموظفة في قسم التحقيقات الجنائية التي تتعامل مع مهاراتها في تحليل الأشخاص قبل دخولهم المكتب عندها لتعرف أبعاد حياتهم من خلال نظرتها الخاطفة لهم، وما واجهته في حياتها من قضايا اجتماعية وعاطفية، وتحديات تصدت لها في رحلة إثبات ذاتها، وبناء هويتها المستقلة، وحياة كريمة عفيفة، محاولة التوفيق بين استحضار للماضي في الحاضر، وكشف أثره على مستقبل حياة المرأة، وتنقل زمني يُظهر إبداعها في تنظم الزمن بين استباق واسترجاع، مع براعة في اختيار الفترة التي عاشتها البطلة، وهي فترة انتقالية وتحولات في حياة المرأة السعودية باطلاق رؤية المملكة ٢٠٣٠م، مما جعل المجتمع يُغير ترتيب فصول الحياة، بتغير القوانين والأنظمة، وتمكين المرأة بعدما كان حضورها محصورًا.
ويكشف الغلاف الطابع العاطفي النقي المرتسم منذ النظرة الأولى له.. فالبياض الذي يرتكز عليه الغلاف يوحي بالصفاء والنقاء، وطهارة القلب التي لا تشوبها الأفكار ولا النوايا، وقد كُتب العنوان باللون الوردي الزاهي الذي يربط بين الأنوثة الناعمة والعاطفة الجياشة، ليرتبط ذلك بالحديث عن عمق القصة التي تتناول العاطفة، مُشتملًا الغلاف على صورة وجه أنثوي، بملامح جريئة تحمل نظرة تحدٍ وكبرياء ترفض الخضوع، وابتسامة قوة مستعدة لمواجهة الحياة وصعوباتها، بألوان مشرقة ترسم التفاؤل والأمل المنبعث من قلب البطلة.
وبعد الغلاف انطلقت الكاتبة في صفحتها الأولى بتساؤلات تفتح أفق القارئ لأبعاد تأملية في الأحوال الاجتماعية: (لماذا لا نُغير المكان… لمَ لا نبحث عن الناس…كيف أقول ذلك؟) وكأنها تدعو القارئ للتأمل والبحث في داخله عن الإجابة قبل أن يعيش مع البطلة أحداث القصة.
القصة مقسمة إلى ثلاثة أبواب وتسعة فصول، بالرغم من حجمها الصغير وصفحاتها الخفيفة، تناولت الحديث عن الوفاء والخيانة، وعن الحب الذي أصبح عندها ثمينًا كروحها التي لا تفرط بها بعد أن تعرضت لطعنة غدر، حاولت إيصال رسالة أن الحب سجن يحرم من جمال الحياة، ولا شك أن المقصود هنا هو الحب غير المتزن الذي تكون فيه العلاقة مضطربة أو سامة.
كما حاولت في رسمها لحياة المرأة أن تكشف التغير الذي طرأ على شخصيتها واقعها وبعد حصولها على كامل حقوقها؛ إذ ازدادت معها ثقتها بنفسها وإمكانياتها، وما ساعدها به تمكينها من أن تمارس حياتها دون سيطرة تجبرها على تنازلات غير منطقية، واستخدامها لتلك الحقوق وفق عقل ووعي، يُثبت نُضجها وانصافها مع نفسها. وكيف تغير تعامل الرجل والمتمثل بشخصية (عزيز) الرفيق القديم، وتحول تفكيرها من عاطفي إلى عقلاني، حينما أُعطِيت الثقة من الكون، وشعرت أكثر بقيمة تصرفاتها التي أصبحت مسؤلة عنها بالكامل، وقد وصفتها القاصة بـ (الحرية غير المؤذية)، لنتهي القصة بوضع حدٍ للمشاعر العاطفية باتفق العقل والقلب بأنه (لا يوجد حب إلى الأبد).
حينما تقرأ القصة تظهر شخصية الكاتبة؛ إذ هي إعلامية عملت في إعداد الكثير من البرامج التلفزيونية، فتقرأ القصة وتشعر أنك ترى مسلسل سهرة تلفزيوني، بمشاهد حاضرة بالذهن، وصور واقعية، ولعل هذه دعوة لكتاب السيناريو والمنتجين لتبني القصة لتكون فيلمًا سينمائيًا، يحكي قصة امرأة في فترة تحول اجتماعي على أرض المملكة.
0






