المقالات

الأمن التشاركي في حماية سماء المملكة

في ضوء التصريحات المهمة التي أعلنها متحدث وزارة الدفاع مؤخرًا، والتي أكدت ما تمتلكه قواتنا المسلحة من خبرة متراكمة في التعامل مع التهديدات الجوية خلال أكثر من عقدٍ من الزمن، يتأكد مجددًا مستوى الجاهزية العالية التي وصلت إليها منظومات الدفاع في المملكة العربية السعودية. فقد أثبتت الوقائع الميدانية قدرة القوات المسلحة على التعامل مع مختلف التهديدات، بما في ذلك الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، حيث تم – بحمد الله – تدمير عشرات الصواريخ ومئات الطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف أجواء المملكة، في دليلٍ واضح على كفاءة منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
ومن الجوانب اللافتة في هذه المنظومة المتقدمة ما أُعلن عنه من إطلاق خدمة *الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر تطبيق “توكلنا”*، وهي خطوة مهمة تعكس مفهوم *الشراكة بين المواطن والجهات الأمنية* في تعزيز أمن الوطن. فالتهديدات الحديثة – خصوصًا الطائرات المسيّرة الصغيرة – قد تطير أحيانًا على ارتفاعات منخفضة جدًا، وببصمة رادارية صغيرة، مما يجعل اكتشافها عبر الرادارات التقليدية أكثر تعقيدًا. ولهذا فإن مشاهدة المسيّرة بالعين المجردة أو سماع صوتها من قبل المواطنين قد يشكل عنصرًا مساعدًا مهمًا في منظومة الإنذار المبكر.
ومن الناحية التقنية، فإن التعامل مع هذا النوع من التهديدات يعتمد في العادة على ما يعرف بـ *أنظمة الدفاع متعددة الطبقات (Multi-Layer Counter-Drone Systems)*، وهي أنظمة تقوم على دمج عدة وسائل للرصد والمعالجة في وقتٍ واحد، مثل الرادارات القصيرة المدى، والمستشعرات الصوتية، والكاميرات الحرارية والبصرية، إضافة إلى أنظمة كشف الإشارات اللاسلكية، وأنظمة التشويش أو الاعتراض. وقد شهدت هذه المنظومات في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا مع دخول تقنيات *الذكاء الاصطناعي* التي تساعد على دمج بيانات المستشعرات المختلفة وتحليلها بسرعة عالية، بما يمكّن من التمييز بين الأهداف الحقيقية وغيرها، والتنبؤ بمسارها في زمن قصير جدًا.
كما أن التجارب الحديثة في ميادين الصراع أظهرت أن التعامل مع الطائرات المسيّرة الصغيرة لا يعتمد بالضرورة على الوسائل الدفاعية مرتفعة التكلفة مثل المقاتلات أو بعض الأنظمة الصاروخية الاستراتيجية، بل يتجه التفكير العسكري الحديث إلى استخدام حلول *أكثر مرونة وأقل تكلفة* مثل التشويش الإلكتروني على إشارات التحكم أو نظام الملاحة، أو استخدام أنظمة الدفاع الجوي القصيرة المدى المصممة خصيصًا للأهداف الصغيرة.
ومن هنا فإن مبادرة وزارة الدفاع بإتاحة خدمة البلاغ عبر تطبيق *توكلنا* تمثل خطوة ذكية تعزز مفهوم *الأمن التشاركي*، حيث يصبح المواطن والمقيم جزءًا من منظومة الوعي والإنذار المبكر. فالإبلاغ السريع – الذي لا يستغرق سوى ثوانٍ معدودة – يمكن أن يسهم في دعم مراكز القيادة والعمليات بالمعلومات الميدانية التي تساعد على سرعة التحقق والتعامل مع أي نشاط جوي مشبوه.
وفي النهاية يبقى أمن المملكة – بفضل الله – قائمًا على *تكامل منظومة متقدمة من القدرات العسكرية والتقنية، مقرونة بوعي المجتمع وتعاونه*. وهو ما يجسد حقيقة راسخة مفادها أن حماية الوطن ليست مسؤولية جهة واحدة فحسب، بل هي مسؤولية مشتركة يتكامل فيها الجهد العسكري مع وعي المواطن، في إطار دولةٍ سخرت إمكاناتها لحماية أرضها وسمائها ومقدساتها.

أ.د. عوض بن خزيم الأسمري

رئيس جامعة شقراء، عضو مجلس الشورى السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى