عامالمقالات

يد العطاء والتعمير… ويد الفناء والتدمير

ليست المملكة العربية السعودية دولةً عادية في خريطة العالم الإسلامي، بل هي أرض الرسالة ومهبط الوحي، وفيها وُلد النبي محمد ﷺ، وعلى ثراها تقوم الكعبة المشرفة قبلة المسلمين، ومنها تشع أنوار الحرمين الشريفين إلى العالم أجمع. ومن هذه المكانة الدينية والتاريخية والحضارية الكبرى، تشكّلت شخصية المملكة ورسالتها، فغدت دولة تحمل مسؤولية قبل أن تمارس دورًا، وتنهض بواجب قبل أن تطلب نفوذًا، وتقدم الإنسان قبل المصالح الضيقة، وترى في خدمة المسلمين والإنسان عمومًا شرفًا قبل أن يكون واجبًا سياسيًا.

ولذلك لم يكن الحضور السعودي في العالم حضورًا سياسيًا مجردًا، بل كان حضورًا إنسانيًا وحضاريًا يقوم على الإغاثة حين تدهم الكوارث، وعلى النصرة حين تشتد الأزمات، وعلى البناء حين تتعثر الحياة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن المملكة العربية السعودية قدمت منذ سبعينات القرن الماضي أكثر من 142 مليار دولار مساعدات إنسانية وتنموية، استفادت منها أكثر من 170 دولة حول العالم، في مجالات الغذاء والصحة والتعليم والمياه والإيواء والتنمية وإعادة الإعمار. كما نفّذ مركز الملك سلمان للإغاثة آلاف المشاريع الإنسانية في عشرات الدول، شملت برامج الأمن الغذائي، ومكافحة الأوبئة، ودعم اللاجئين، وبناء المدارس والمستشفيات والبنية الأساسية في الدول المتضررة من الحروب والكوارث.

ولم يكن هذا الدعم عملاً موسميًا أو استجابة مؤقتة، بل نهج دولة راسخ، حتى أصبحت المملكة من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية في العالم، خصوصًا نسبةً إلى حجم اقتصادها. وهذه هي يد العطاء والتعمير؛ يدٌ تبني المستشفيات، وتقيم المدارس، وتحفر الآبار، وتدعم الاستقرار، وتعيد الأمل إلى المجتمعات المنكوبة.

وتتضح الصورة أكثر حين تُقرأ بالأرقام لا بالانطباعات؛ فالمليارات التي أنفقتها المملكة خلال عقود طويلة ذهبت إلى الغذاء والدواء والتعليم والإعمار والتنمية في عشرات الدول، بينما تشير تقارير دولية إلى أن إيران أنفقت مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية في دعم جماعات مسلحة وميليشيات في عدد من دول المنطقة، وقدّرت بعض التقارير أن إيران كانت تقدم نحو 700 مليون دولار سنويًا لحزب الله، إضافة إلى دعم مالي وعسكري لجماعات مسلحة في العراق وسوريا واليمن وقطاع غزة، وهو ما جعل جزءًا كبيرًا من إنفاقها الخارجي مرتبطًا بالصراعات الإقليمية أكثر من ارتباطه بالمشاريع الإنسانية أو التنموية.

وهنا يظهر الفرق بين مشروعين متباينين: مشروع يجعل من المال وسيلة للإغاثة والإعمار والاستقرار، ومشروع يحوله إلى أداة للنفوذ عبر السلاح والميليشيات وتغذية الصراعات والانقسامات. الأول يترك وراءه مستشفى ومدرسة وطريقًا ومشروع حياة، والثاني يترك وراءه خوفًا وخرابًا ونزوحًا وأزمات ممتدة.

إن الدول لا تُقاس بما تقوله في خطابها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس؛ فالدولة التي تمر من أرض منكوبة فتترك وراءها دواءً وغذاءً ومدرسةً ومشروع حياة، ليست كالدولة التي تمر من أرض مضطربة فتترك وراءها سلاحًا وخندقًا وخوفًا. والتاريخ، حين يهدأ الضجيج وينقشع الغبار، لا يسأل من كان صوته أعلى، بل يسأل من كان أثره أبقى، ومن كان حضوره رحمة لا نقمة، وعمرانًا لا خرابًا.

وهكذا يبقى الفارق واضحًا بين يدٍ تبني ويدٍ تُفني، بين يدٍ تصنع الحياة ويدٍ تصنع الأزمات، بين مشروعٍ يرتفع بالإنسان إلى كرامته، ومشروعٍ يهبط بالمنطقة إلى الفوضى. وعندئذ لا تكون المفاضلة بين قوتين، بل بين قيمتين: قيمة العطاء الذي يعمّر، وقيمة الفناء الذي يدمّر، وبينهما سيبقى التاريخ أكثر عدلًا من الشعارات، لأنه لا يخلّد إلا من بنى، ولا يحفظ إلا من كان أثره خيرًا على الإنسان والأرض والزمن

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى