المقالات

من الحجاج الإندونيسيين إلى كأس العالم… حكاية كرة القدم السعودية

تُعد كرة القدم اليوم الرياضة الأكثر شعبية في المملكة العربية السعودية، لكن بداياتها كانت متواضعة وبسيطة قبل ما يزيد على ثمانية عقود. وتشير العديد من الروايات التاريخية إلى أن الحجاج والعمال القادمين من إندونيسيا كانوا من أوائل من مارسوا اللعبة في مدينة جدة خلال العقود الأولى من القرن العشرين، حيث كان الأهالي يشاهدونهم وهم يتبارون في الساحات المفتوحة، قبل أن تنتقل هذه الهواية الجديدة إلى الشباب السعودي الذين سرعان ما تعلقوا بها وأقبلوا عليها بشغف كبير.

ومع ازدياد الاحتكاك بالحجاج والتجار الوافدين عبر ميناء جدة، بدأت كرة القدم تجد طريقها إلى المجتمع المحلي. وتُذكر جدة بوصفها البوابة الأولى التي دخلت منها اللعبة إلى المملكة، قبل أن تنتشر إلى مكة المكرمة ثم إلى بقية مناطق البلاد. وكان الشباب في تلك الفترة يصنعون كرات بدائية من القماش والمواد المتاحة، قبل وصول الكرات الجلدية الحديثة التي أسهمت في تطوير مستوى اللعب.

ويُعد نادي الاتحاد في جدة ونادي الوحدة في مكة المكرمة من أقدم الأندية السعودية من حيث التأسيس، وقد أسهما بدور بارز في نشر كرة القدم وتنظيمها، وساهما في ترسيخ مكانة اللعبة وتوسيع شعبيتها في مختلف مناطق المملكة. ومع مرور الوقت بدأت الفرق الرياضية تتشكل بصورة أكثر تنظيماً، وأصبحت المباريات تُقام بشكل منتظم بين الأندية والجهات الحكومية والشركات الكبرى.

وفي المنطقة الشرقية أسهمت شركة أرامكو في دعم النشاط الرياضي وتنظيم البطولات، مما ساعد على انتشار كرة القدم في مختلف أنحاء المملكة. ومع اتساع القاعدة الجماهيرية للعبة، تأسس الاتحاد السعودي لكرة القدم، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم والتطوير والمشاركة في البطولات الإقليمية والقارية.

وخلال العقود اللاحقة حققت كرة القدم السعودية قفزات كبيرة على المستويين القاري والدولي. فقد نجح المنتخب السعودي في التتويج بكأس آسيا ثلاث مرات أعوام 1984 و1988 و1996، ليصبح أحد أكثر المنتخبات الآسيوية تتويجاً بالبطولة، ويؤكد حضوره القوي بين كبار القارة.

أما على الصعيد العالمي، فقد سطر المنتخب السعودي صفحات مشرقة في تاريخ الرياضة العربية والآسيوية من خلال تأهله إلى نهائيات كأس العالم في عدة مناسبات. وكانت المشاركة الأولى عام 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية الأبرز، حيث نجح الأخضر في بلوغ دور الستة عشر في إنجاز تاريخي لا يزال محفوراً في ذاكرة الجماهير الرياضية. وتوالت المشاركات بعد ذلك في نسخ 1998 و2002 و2006 و2018 و2022.

كما حققت الأندية السعودية إنجازات قارية لافتة، حيث توجت ببطولات آسيوية مرموقة وأسهمت في تعزيز مكانة الكرة السعودية على مستوى القارة. ويُعد الهلال من أكثر الأندية الآسيوية حصداً للألقاب القارية، فيما حقق الاتحاد إنجازاً تاريخياً بفوزه بدوري أبطال آسيا مرتين متتاليتين، إضافة إلى الإنجازات التي حققتها أندية سعودية أخرى في مختلف المنافسات القارية.

ولم تتوقف مسيرة التطور عند حدود الإنجازات الرياضية، بل امتدت إلى تطوير البنية التحتية الرياضية وإنشاء الملاعب الحديثة والأكاديميات المتخصصة، وصولاً إلى استضافة البطولات والفعاليات الدولية الكبرى، بما ينسجم مع النهضة الرياضية التي تشهدها المملكة في السنوات الأخيرة.

وبين أول كرة دحرجها الحجاج القادمون من أقاصي الشرق، وآخر إنجاز يحققه الأخضر السعودي على الساحة الدولية، تمتد حكاية ثرية بالعطاء والنجاح. حكاية بدأت من شغف بسيط في أحياء جدة ومكة، ثم نمت وتطورت حتى أصبحت المملكة إحدى أبرز القوى الكروية في آسيا، وما زالت فصول هذه القصة تُكتب جيلاً بعد جيل، وطموحها يتجه دائماً نحو آفاق أوسع ومستقبل أكثر إشراقاً.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى