لطالما كانت جامعة الدول العربية عنواناً يفترض أن يجمع العرب في أوقات الأزمات، وأن تكون مظلة لحماية الأمن القومي العربي وصوتاً جماعياً يعكس مصالحهم المشتركة. غير أن تاريخ هذه المؤسسة يكشف نمطاً متكرراً من العجز عن مواجهة اللحظات الحاسمة: بيانات باهتة، اجتماعات طارئة تنتهي بعبارات إنشائية، ومواقف لا تعكس أبداً حجم التحديات التي تواجه المنطقة. واليوم، مع العدوان الإيراني المباشر على دول الخليج، يتكرر المشهد نفسه، ولكن بصورة أكثر إثارة للدهشة من أي وقت مضى. ففي أزمات سابقة كان الحد الأدنى من التنديد أو التصريحات السياسية موجوداً، ولو شكلياً، للحفاظ على ماء الوجه العربي. أما اليوم فالصورة تبدو أكثر صمتاً وبروداً؛ غياب شبه كامل لأي موقف عربي جماعي واضح، وكأن ما يحدث لا يعني النظام العربي من قريب أو بعيد. صمت يكاد يكون مطبقاً، يطرح سؤالاً قاسياً: كيف يمكن لمؤسسة وُجدت لحماية التضامن العربي أن تختفي تماماً في لحظة اختبار تمس أمن جزء أساسي من العالم العربي؟
الأكثر إيلاماً أن هذا الصمت يأتي تجاه دول لم تتأخر يوماً عن نصرة أشقائها العرب. فمنذ عقود، كانت دول الخليج في قلب كل أزمة عربية: دعمت اقتصادات متعثرة، وأسهمت في إعادة إعمار دول مزقتها الحروب، واحتضنت ملايين العرب للعمل والعيش الكريم. لم تسأل عن مكاسب قبل أن تمد يد العون، ولم تتردد في الوقوف إلى جانب القضايا العربية في المحافل الدولية. وليس هذا من باب المنّة، بل تساؤل مشروع يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن تفسير بعض المواقف العربية الرسمية، وربما الشعبية، التي بدت أقرب إلى التعاطف مع إيران بذريعة تعرضها لضغوط أو هجمات خارجية؟ وهل يصبح ذلك مبرراً لغضّ الطرف عن تهديداتها واعتداءاتها على دول الخليج؟ إن هذا المنطق لا يبرر عدواناً ولا يفسر تهديداً. فوجود قواعد عسكرية أجنبية ليس ظاهرة خليجية استثنائية؛ القواعد الأمريكية منتشرة في دول عدة حول العالم، ومع ذلك لم تتحول تلك الدول إلى أهداف لاعتداءات مماثلة. المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية المواقف العربية الفاضحة: حين يتعرض أي بلد عربي لعدوان مباشر، يفترض أن يكون الموقف الأول الدفاع عن أمنه وسيادته، لا البحث عن أعذار لمن يهدده. أما أن يصبح العدوان قابلاً للتبرير أو يُخفَّف من خطورته بحجج سياسية عابرة، فهذا يفتح باباً خطيراً في العلاقات العربية ويضع الأمن العربي المشترك على المحك. الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ حياداً، بل ضعفاً وربما قبولاً بالأمر الواقع.
ما يحدث اليوم لا يفضح فقط طبيعة العدوان، بل يعرّي عمق الأزمة التي يعيشها النظام العربي نفسه. فحين تمر الأحداث وسط صمت أو تردد أو تبرير، فإن الخلل ليس في الحدث وحده، بل في منظومة العمل العربي التي يفترض أن تتصدى لمثل هذه التحديات. وفي مقدمة هذه المنظومة تقف جامعة الدول العربية، التي وُجدت لتكون مظلة للتضامن العربي وصوتاً جماعياً في لحظات الخطر. لكن الواقع اليوم يبعث برسالة مختلفة تماماً: تقول إن هذه المؤسسة لم تعد قادرة على التعبير عن الإرادة العربية عند اختبارها في اللحظات الحاسمة. وفي المقابل، حملت هذه الأزمة رسالة قاسية وواضحة لدول الخليج وشعوبها: أن أمنها الحقيقي يبدأ من وحدتها هي، لا من رهانات خارجية ولا من حسابات فردية ضيقة. فقد كشفت التطورات الأخيرة أن التماسك الخليجي لم يعد خياراً سياسياً يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة التحديات. وهي رسالة لكل من يفكر في التغريد خارج السرب الخليجي أو التعويل على علاقات خاصة مع إيران أو غيرها؛ التجارب أثبتت أن العلاقات الثنائية لا تعوّض الموقف الخليجي الموحد، وأن القوى الإقليمية والدولية تتحرك وفق مصالحها لا وفق اعتبارات الصداقة أو المجاملة السياسية. الدرس الأهم: وحدة الخليج ليست ترفاً سياسياً، بل خط الدفاع الأول عن أمنه واستقراره، وكلما تماسك البيت الخليجي من الداخل تراجعت قدرة الآخرين على العبث بأمنه أو استغلال خلافاته.
ولهذا، فإن العدوان الإيراني الأخير لا يضع دول الخليج أمام تحدٍ أمني فحسب، بل يضع النظام العربي كله أمام اختبار تاريخي. وربما يسجل التاريخ أن هذه اللحظة لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل محطة أخرى يُدقّ فيها المسمار الأخير في نعش الأمل بقدرة جامعة الدول العربية على تمثيل موقف عربي موحد عند التهديد المباشر. فحين تغيب الكلمة الجماعية في لحظة الخطر، يصبح السؤال مشروعاً: هل بقي من الجامعة سوى الاسم؟ أم أن الزمن تجاوزها بينما ينتظر العرب منها ما لم تعد قادرة على تقديمه؟


