المقالات

النيران للجيران.. منطق الدولة وأيديولوجيا الكراهية

يخطئ من يعتقد أن نظام إيران بحاجة لذريعة كي يقصف شعوب الدول العربية دون استثناء، خاصة دول الجوار الخليجي؛ ذلك أن هذا النظام تأسس في الأصل على مبدأ الثأر والتخريب، وسجّل ذلك في وثائق الدستور، قبل المسارعة في بناء شبكة ممتدة من الأذرع والميليشيات، أوكل إليها تنفيذ مشروع قائم على إشعال الأزمات، وتعميق الانقسامات، وتغذية الفوضى، عبر التفجير والتجييش والتخريب المنهجي. ولم يعد هذا المشروع خفيًا، بل بلغ حد التفاخر بالسيطرة على عواصم عربية، مع التلويح المستمر بضم عواصم أخرى إلى دائرة النفوذ. ولو لم يجد النظام مبررًا واحدًا لإغراق دول الخليج بالصواريخ والمسيّرات المصنوعة في الأساس لهذا الغرض، لما تردد لحظة واحدة في إطلاق كل ما يملك من مقذوفات، بالطريقة نفسها وفي الاتجاه نفسه، إن لم يكن أشنع، دون الحاجة إلى تعليل.ذلك أن طالب الثأر لا يستطيع كبت أو إخفاء أمواج حقدٍ دفين زُرع في ثنايا دستورٍ جعل من تصدير الثورة هدفًا لا مناص من تحقيقه، بشهادة الدستور نفسه والمرتبطين بالنظام، خاصة أولئك القافزين من سفينة الكراهية مبكرًا، الجازمين بأن التعامل بنية طيبة مع هذا النظام مضيعة للوقت، القاطعين بأن الاستعداد المبكر لغدر النظام المنتظر لا محالة أمر في غاية الأهمية. خاصة وقد عجز عن مجاراة الدول المتقدمة، فوضع مكتسبات الشعوب الإسلامية نصب عينيه؛ إذ لا يعنيه حق الإنسان في الحياة، ولا يهتم باستحقاقات الإيرانيين ومكتسباتهم، بل لا يعنيه ما يترتب على الفوضى من تدمير بقدر ما يعنيه تحطيم الإسلام والمسلمين، وزرع الفتن، وإضرام النيران تحت شعارات كاذبة مضحكة مبكية. ولعل ما جرى ويجري في غزة ولبنان واليمن والعراق دليلٌ جليّ على خطورة المقاصد، وقدرة النظام على تسويق الشعارات الجوفاء في أوساط تموج بالجهل والجهالة.
الإسرائيليون والأمريكيون دكّوا إيران، بينما اكتفى النظام بتوجيه 90% من النيران إلى الجيران، وظلت إسرائيل والسفن الحربية الأمريكية في مأمن، بفعل رغبة الانتقام المعززة بالكراهية لكل ما هو عربي، رغم مروءة دول الخليج ومثابرتها لتجنيب إيران ويلات الحروب، ورغم الإعلان عن منع استخدام الأجواء والأراضي منطلقًا لطرفي النزاع، ورغم الوفاء بالوعد الذي قوبل بالجحود، وتكشير أنيابٍ ظلت مستعدة ومتهيئة للانقضاض على استقرار الخليج وسكانه، لا يردعها لطف ولا جيرة ولا مبدأ ولا قانون عازمة على تحقيق احلامها ولو كلفها الامر انتظار ألفية زمنية ثانية في ظاهرة لا تستوعبها العقول البشرية
لعلنا ندرك حقيقة مسلك النظام عندما نستحضر بنيته وتبنيه المبكر لـ”تنظيم القاعدة”، وبعد ذلك «داعش»، إذ لم يكن اختيار ودعم فئة الإرهاب المناط بها إدارة مشروع الفوضى عفويًا، بقدر ما كان مخططًا بخبث لا يمكن تصور مداه؛ ذلك أن القناعة كانت راسخة بإمكانية صيد عدة عصافير بحجر واحد، وتحقيق كافة الأهداف التدميرية دفعة واحدة، بما في ذلك ابعاد التهمة وبلوغ المراد. أما ضحايا المشروع فلم تدخل في حسابات نظام طهران على الإطلاق، لأن الجميع عرب بمنتهى البساطة، ولأن “الممانعة” بكل مبرراتها مجرد أكذوبة كبرى اتضحت عبر مواقف متعددة.
لقد جعل النظام من إثارة الفوضى هدفًا رئيسيًا، ومنهجًا قائمًا على صرف مكتسبات الشعب الإيراني بالكامل لتحقيق غاية تدميرية وإحراز مقاصد الثأر، وفقًا لزلات ألسن عديدة جسّدت واقعًا مؤسفًا في لحظات لم تكن عابرة. ومن سوء طالع النظام الإيراني أن الدول الإسلامية، خاصة المملكة العربية السعودية، عملت على تجفيف منابع الإرهاب، بل وقفت بالمرصاد لكل من حاول زعزعة أمن شعوب المنطقة، بغض النظر عن الدين والمذهب والقرب، والبعد، والجنس، والجنسية. ولهذا كانت مواقف المملكة العربية السعودية، على وجه التحديد، مشرفة، تمثل ثقافة الدولة المستقيمة ذات البعد الإنساني الحريصة على حفظ المكتسبات التنموية، وهو الأمر الذي أحبط محاولات استثمار التوجه الفكري لأدوات النظام التنفيذية فيما قد يساهم بربط الإرهاب بفريق إسلامي دون آخر، لتسقط المؤامرة ويعم الوعي في أوساط العقلاء، خاصة مع استمرار موقف النظام الإيراني في تجسيد ودعم وتشجيع ثقافة الميليشيا. وبهذا انكشف الراعي الحقيقي للإرهاب وغرقت ايران في ظلام الاحقاد، رغم كونها ضمن الدول الثلاث الأكبر في الاحتياطات النفطية عالميًا، وعانى شعبها المكلوم، وسقطت «القاعدة» وتهاوت «داعش»، فيما ظل أساس الإرهاب قائمًا على هيئة دولة عاصمتها طهران، أغرقت المنطقة بالميليشيات؛ فكان من نصيب العراق وحده 60 فصيلًا مسلحًا مرتبطًا بإيران، يحظى بالدعم المالي والعسكري من قوت ومكتسبات الشعب الإيراني، الأمر الذي أدى إلى نشوء دول داخل دول، تحت غطاء أكذوبة «الممانعة» الشماعة العصية على القبول.فيما ظلت إيران تتهاوى رازحه تحت نير نظام عقائدي أيديولوجي، غير قابل بأقل من تحطيم مكتسبات الشعوب وتقويض أمن الدول، خاصة دول الجوار؛ فالموضوع يتعلق بفكر وهدف خطير خطيرة يحتاج إلى استعداد جاد يبدأ عسكريا لحماية الإنسان والمكان والمكتسب لحظة انقضاض منتظر لعدو متربص، وينتهي بالتوعية والتثقيف والإعلام لبقايا المخدوعين بالشعارات البراقة بفعل الانتماء الفكري الاعمى.

محمد الجهني

إعلامي- كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى