ةتتجاوز الأهداف غير المعلنة لمشاريع تمزيق العالم العربي المدارك القاصرة لأدوات التنفيذ، متخطية حدود استيعاب بعض الوكلاء وموظفي التقسيم، دون القطع ببراءة البعض الآخر فيما يتعلق بالمعرفة المسبقة أو المشاركة المحتملة، بدافع قناعة خاصة أو رغبة في تحقيق مكاسب ضيقة. المهم أن الأهداف والنتائج مدمّرة ومحزنة بالمجمل، لا يجدي معها الاعتذار، ولا ادعاء سوء الفهم، ولا مزاعم حسن النية؛ ذلك أن العالم العربي دخل تجارب مماثلة مؤلمة، كانت كفيلة بتعزيز الوعي وإرساء قواعد التنسيق والتعاون لمكافحة الفصائل الطائشة وسلاحها المنفلت، واعتماد الحوار والتوافق مسارًا وحيدًا بلا بديل لصيانة المكتسبات، وفقًا لإيمان قاطع بخطورة إشعال الحرائق وزعزعة الأمن في إقليم مستهدف لا يحتمل المزيد من تشكيل الميليشيات المزروعة لأهداف معروفة، تتصدرها محاولات تعطيل مسار التنمية، باعتبار المنطقة الأكثر نموًا وازدهارًا بشهادة العالم.
ما دفعني للقول أعلاه هو حجم الجهود السعودية النبيلة للحفاظ على وحدة الأمة، وقناعة الرياض الراسخة بأهمية حسن الجوار، واعتماد الحوار مسلك حياة آمن، وتثمين القيمة العالية للنوايا الطيبة، واليقين الثابت بإمكانية الوفاق، مستحضرًا التضحيات التي بلغت حد تهديد علاقات الرياض المتينة بعواصم عالمية كبرى، جراء صرامة مواقفها لخدمة مصالح الأشقاء، وتدخلها الحاسم السريع لتقويض مشاريع تهجير وتشريد شعوب المنطقة، رغم قدرتها على حفظ أمن حدودها وشعبها وأرضها كقوة عالمية تقول وتفعل، وكثيرًا ما فعلت قبل القول.
ولا ينكر منصف أن السعودية تأنف المساومات، وتنبذ الشعارات، ولا ترتهن للمكتسبات، بل تقف مع الحق مهما كلف الأمر، إيمانًا بمبدأ راسخ ظل مشرفًا شامخًا منذ مئات السنين، دون أن يهتز أو يتأثر بالمواقف والإساءات وردود الفعل. ولا أدل على ذلك من تفويت الفرصة تلو الأخرى على أعداء الاستقرار، والشواهد ماثلة للعيان، يتصدرها مشروع ترسيخ الأمن واستئصال خلايا
الإرهاب في الداخل والخارج على حد سواء، ولا يمكن أن ينكر الدور السعودي الحاسم في تعطيل المخططات المتعاقبة لدفن القضية الفلسطينية سوى مرتزق أو منافق أو جاحد أو حاقد أو موالٍ للاحتلال. ولعل المكافحة السعودية الجادة لمشاريع قيام كيانات انفصالية مسلحة، قاسمها المشترك رغبة التطبيع المجاني، وإن تدثّر بعضها بالشعارات على شاكلة شعار «الموت لإسرائيل»، ما يؤكد جدية المملكة ورعايتها لحل الدولتين قولًا وفعلًا، ويعزز ثبات موقفها المشرف الثابت المعلن من القضايا العربية والعالمية، بما في ذلك مسائل التطبيع، حتى نالت ثقة قادة وشعوب العالم على حد سواء
لا يمكن تخطي آثار نسخ مشاريع زعزعة الاستقرار المتكررة، ومن بينها ما سُمّي زورًا وبهتانًا بالربيع العربي؛ فلن ننسى عواصف الفوضى التي شجعت البعض على التفاخر بالاستيلاء على أربع عواصم، وآثار حرائق مفتعلة استهدفت الدول العربية دون سواها، مخلفة فقرًا مؤلمًا لا يزال متواصلًا لشعوب تتطلع لحياة كريمة كباقي شعوب الأرض، قبل افتقاد الاستقرار وانعدام الأمن وتأخر التنمية، بفعل استثمار الأعداء بعقول الحمقى واستدراج الجهلاء بالشعارات الجوفاء، وتشكيل فصائل مسلحة مارقة لتحقيق مآرب ما كانت لتتحقق لو تم اعتماد الحوار سبيلًا
لتحقيق المصالح العامة فالمستقبل المشرق لا يتحقق بتمويل الميليشيات ودعم الإرهاب، بل إن الفوضى سلوك يفضي لدعم مخططات تشويه الإسلام الحق، وتحطيم آمال ومكتسبات المسلمين، وتأخر الشعوب، فيما تقفز الدول الواعية بالرؤى الحكيمة الصادقة المخلصة إلى مقدمة الصفوف، كما فعلت وتفعل المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ورعاية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.
والنتائج لا تحتاج لأكثر من تأمل عاقل صادق،
يكفي استعراض حصيلة مخرجات الحكمة. ونحن نشير بالفخر والاعتزاز إلى أن السعودية التي تحتضن الملايين اصبحت خيارًا مفضلًا للإقامة، بل تعزّ المغادرة رغم ندرتها على من عاش تحت السماء السعودية من كافة الجنسيات، نتيجة ما توفره من حياة كريمة، وفرص متنوعة، وبيئة معيشية آمنة، وكرم ضيافة، ومستوى خدمي متقدم، ومحبة راقية صادقة ولا يُذكر على الإطلاق أن وافدًا شقيقًا كان أم صديقًا تأثر قيد أنملة في حياته أو تحركاته أو رزقه إبان نشوء خلاف مع حكومته، وإن كان خلافًا كبيرًا، فيما تزدحم المطارات ويشد الوافدون رحالهم في كثير من دول العالم نحو أوطانهم، وإن كان ذلك من باب المخاوف كأقل تأثير مباشر لحالة مشابهة عابرة بسيطة في كثير من الأحيان.
1


ما يطرحه المقال يتجاوز توصيف الوقائع إلى تفكيك منطق الفوضى ذاته، ويعيد وضع النقاش في إطاره الصحيح: إطار الدولة، لا إطار الشعارات. فالتجارب المؤلمة في المنطقة أكدت أن تغليب السلاح على الحوار لا يحل القضايا، بل يستنزفها، وأن مشاريع زعزعة الاستقرار مهما تنوّعت عناوينها تنتهي دائمًا بإضعاف المجتمعات وتعطيل التنمية. القراءة السيادية المتزنة تفرض الاعتراف بأن الاستقرار ليس موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل هو الخيار الاستراتيجي طويل الأمد لحماية الأوطان وصيانة مصالح الشعوب.