المقالات

الكائن المؤدلج / الكائن الحاسد: اقتصاد المنفعة وخطاب الكراهية: مفارقة السلوك والموقف.

اقتصاد المنفعة وخطاب الكراهية.. قراءة في ازدواجية الموقف من السعودية

«في عيون العاصف» (2).

تظهر في المجال العام العربي ظاهرة لافتة يصعب تفسيرها بالاختلاف السياسي الطبيعي. فهناك فئة من الخطاب العربي تتخذ موقفا عدائيا واضحا تجاه السعودية في لحظات الأزمات، بينما لا تتردد في اللجوء إليها طلبا للعمل أو الأمان أو الدعم الاقتصادي.
هذا التناقض لا يفسره تحليل سياسي بسيط، بل يحتاج قراءة نفسية واجتماعية أعمق.

المشكلة هنا ليست في النقد، فالنقد ظاهرة صحية في أي فضاء فكري، إنما الإشكال يظهر حين يتحول النقد إلى عداء دائم يتجاهل الوقائع ويختار التفسير الأكثر سلبية مهما كانت المعطيات، وفي مثل هذه الحالات غالبا ما يتداخل العامل الأيديولوجي مع عامل نفسي أعمق هو الحسد والشعور بالنقص.
في علم النفس الاجتماعي تفسر نظرية التنافر المعرفي التي صاغها ليون فستنغر هذه الحالة. عندما يعيش الإنسان في بيئة توفر له الاستقرار أو الفرص لكنه يحمل قناعة أيديولوجية سلبية تجاهها، ينشأ داخله توتر نفسي ويتشكل لديه صراع نفسي بين واقع ينتفع به فعليا، وموقف يصر على معارضته علنا.
في السياق العربي يظهر هذا التنافر بوضوح في الموقف من السعودية، فالدولة التي يقصدها ملايين العرب للعمل والعيش وتحسين أوضاعهم الاقتصادية تتحول في بعض الخطابات الأيديولوجية إلى هدف دائم للهجوم، ويزداد هذا الخطاب حدة في اللحظات التي تتعرض فيها المملكة لضغط أو تهديد، حيث يظهر نوع من الشماتة أو التشفي لا يمكن تفسيره بالخلاف السياسي وحده.
هنا يدخل عامل الحسد بوصفه محركا نفسيا خفيا.
تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن الشعور بالنقص أمام نجاح الآخرين قد يتحول إلى عداء رمزي تجاههم، حيث يصبح نجاح الآخر مصدرا للضيق بدلا من أن يكون حافزا للتعلم أو المنافسة، وفي هذه الحالة يسعى الفرد أو الجماعة إلى التقليل من قيمة هذا النجاح أو التشكيك فيه لتخفيف الشعور الداخلي بالهزيمة.
ويتفاقم هذا الميل عندما يختلط بالتصورات الأيديولوجية، فبعض التيارات السياسية والدينية في المنطقة بنت سرديات كاملة تقوم على معاداة دول الخليج عموما والسعودية خصوصا، ليس بناء على تحليل موضوعي للسياسات، بل انطلاقا من تصورات مسبقة تشكلت عبر الصراع السياسي والإعلامي في المنطقة، ومع الوقت تتحول هذه السرديات إلى عدسة يفسر من خلالها كل حدث مهما كانت الوقائع مختلفة.
وتتجلى هذه الظاهرة بشكل أوضح في لحظات الصراع الإقليمي، مثل الحرب الدائرة مع إيران. ففي الوقت الذي تتعرض فيه السعودية لتهديدات أمنية من خلال الهجوم الإيراني عليها بالصواريخ والمسيّرات، يظهر خطاب عربي يتبنى الرواية الإيرانية أو يبرر سلوكها، بينما يتجاهل أن المملكة هي الدولة التي تحمي الحرمين الشريفين وتشكل أحد مراكز الاستقرار في العالم الإسلامي، وهذا التناقض يكشف أن الموقف هنا ليس تحليلا سياسيا بقدر ما هو موقف أيديولوجي مشحون بالمشاعر العدائية.
وقد أشار علي الوردي إلى ظاهرة قريبة من ذلك حين تحدث عن ازدواجية الشخصية في بعض البيئات الاجتماعية، حيث يمكن للفرد أن يعيش ضمن منظومة ويعلن ولاءه لمنظومة أخرى، أو ينتقد الواقع الذي يستفيد منه دون أن يقدم بديلا واقعيا، هذه الازدواجية لا تنبع من تحليل عقلاني بقدر ما تعكس صراعا نفسيا بين الرغبة في الاستفادة من الواقع والرغبة في رفضه أيديولوجيا.

الحقيقة لا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال السياسة وحدها، فهي نتاج تداخل بين الأيديولوجيا والشعور بالنقص والحسد والتنافر المعرفي.
لذلك فإن الرد عليها لا يكون فقط عبر الجدل السياسي فحسب، إنما عبر كشف هذا التناقض بوضوح: كيف يمكن لإنسان أن يعيش في مكان ويستفيد من استقراره، ثم يقف ضده في لحظات الخطر؟ هذا السؤال وحده يكشف طبيعة الأزمة الكامنة خلف هذا الخطاب.


مقالات الكاتب د. أحمد قران

https://www.makkahnews.sa/author/qeran123

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى