«في عيون العاصفة» (4)
حين نتحدث عن الأمن في الخليج، فنحن لا نتحدث فقط عن حدود أو جيوش، بل عن طبيعة التهديد نفسه: هل هو هجوم عسكري مباشر، أم مجموعة أدوات تُستخدم بطرق غير تقليدية لتغيير شكل الصراع؟
في السابق، كان التهديد واضحًا: جيش يواجه جيشًا، وحدود معلنة، وحرب مباشرة. لكن ما يحدث اليوم مختلف تمامًا؛ فالتهديد لم يعد يأتي من جهة واحدة، ولا يظهر دائمًا بشكل مباشر، بل يتحرك عبر أطراف متعددة، وأدوات متنوعة، وأحيانًا دون إعلان.
الصواريخ الباليستية، على سبيل المثال، تمثل مصدر قلق دائم، إذ تعزز الشعور بأن أي موقع قد يكون معرضًا للخطر في أي لحظة. كما تسهم الطائرات المسيّرة في تكريس هذا النمط من التهديد، من خلال زيادة وتيرته وانخفاض تكلفته، مما يؤدي إلى استمرار الضغط بشكل يومي.
لكن التهديد لا يقتصر على ذلك؛ فهناك أيضًا جماعات مسلحة تنشط في أكثر من دولة، لا تؤدي دورًا عسكريًا فحسب، بل تؤثر في الداخل، وتعيد تشكيل توازنات القوة، ليتحول التهديد من خطر خارجي إلى تحدٍ داخلي مستمر.
أما ما يُعرف بحروب الوكالة، فهو أسلوب لإدارة الصراع دون الدخول في مواجهة مباشرة، عبر دعم أطراف أخرى للقيام بالمواجهة، بهدف إطالة أمد الصراع، وإبقاء الطرف الآخر تحت ضغط دائم.
كل ذلك يعكس تحولًا في مفهوم التهديد، حيث أصبح قائمًا على إرباك الاستقرار بشكل مستمر، من خلال أنماط ضغط متكررة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية.
لذلك، لا يكفي الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، بل يتطلب الأمر تنويع أدوات الردع، من خلال تعزيز الدفاعات، وتطوير التعاون الأمني، وبناء التحالفات، إلى جانب مواجهة الحملات الإعلامية التي تسعى لتبرير هذه التهديدات.
وقد بدأ الخليج يدرك هذا التحول، فلم يعد التعامل مع التهديد يقتصر على ما بعد وقوعه، بل أصبح التركيز على منعه قبل حدوثه. ويظهر ذلك في نجاح أنظمة الدفاع في اعتراض العديد من الهجمات، مما يعكس انتقالًا من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.
ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا؛ فالمبالغة في الرد قد تؤدي إلى تصعيد التوتر وتوسيع رقعة الصراع، في حين أن التساهل قد يشجع على المزيد من التصعيد. ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التوازن: قوة رادعة واضحة، دون اندفاع.
إن الأمن في الخليج اليوم لا يقتصر على المنطقة وحدها، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالطاقة والتجارة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي، وأي اضطراب فيه ينعكس على العالم بأسره.
التهديد لم يعد بسيطًا، وبالتالي لا يمكن التعامل معه بأدوات تقليدية، بل يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعته الجديدة، وبناء منظومة ردع تتناسب مع هذا الواقع، لضمان استمرار الاستقرار في ظل عالم لا يخلو من التحديات.





