المقالات

أبو علّة.. شاعر كبير تأخر عنه الإعلام وتجاهلته المناهج

في المشهد الثقافي العربي كثيراً ما تتلمع الأسماء التي تملك أدوات الظهور، بينما تتوارى في الظل أسماء أخرى لا تقل قيمة ولا عطاء، لكنها اختارت أن تكتفي بالقصيدة نفسها طريقاً إلى الناس. ومن بين هذه الأسماء يبرز الشاعر والأديب السعودي حسن أبو علّة، أحد الأصوات الشعرية التي ظلت لعقود طويلة حاضرة في وجدان الأدب، لكنها غابت عن دائرة الضوء الإعلامي إلا في السنوات الأخيرة. ولد الشاعر حسن أبو علّة في محافظة بيش بمنطقة جازان، وارتبط اسمه بالشعر الفصيح الذي يستلهم روح البيئة الجنوبية ويصوغها بلغة عربية رصينة. وقد ظل اسمه متداولاً في الأوساط الأدبية والفعاليات الثقافية لعقود، مشاركاً في أمسيات شعرية ومناسبات ثقافية داخل المملكة وخارجها، وممثلاً للوفد الثقافي السعودي في مهرجانات شعرية عربية. ومع ذلك؛ فإن المفارقة اللافتة أن كثيراً من القراء لم يتعرفوا على هذا الشاعر إلا مؤخراً، رغم أن تجربته الشعرية تمتد لسنوات طويلة من الإبداع والعطاء.

والأمر اللافت أن الشاعر لم يكن بعيداً عن التقدير الرسمي أو الثقافي. فقد حظي بتكريم سابق من الأمير خالد الفيصل منذ سنوات طويلة عندما كان أميراً لمنطقة عسير، وهو تكريم يعكس إدراكاً مبكراً لقيمته الأدبية. كما حظي مؤخراً بتكريم كريم من أمير منطقة جازان الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز آل سعود، الذي أعلن خلال إحدى الأمسيات الأدبية إطلاق اسم الأديب والشاعر حسن أبو علّة على المسرح الذي أقيمت فيه الأمسية، تقديراً لمسيرته الشعرية وإسهاماته الأدبية في خدمة الوطن. هذا التكريم ليس مجرد لفتة رمزية، بل رسالة ثقافية واضحة بأن المبدع الحقيقي قد يتأخر الاعتراف به إعلامياً، لكنه لا يغيب عن تقدير القيادات الثقافية والوطنية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان شاعر بحجم حسن أبو علّة قد حظي بهذا التقدير من القيادة، فلماذا ظل حضوره الإعلامي باهتاً لسنوات طويلة؟ وأين كانت المؤسسات الثقافية والإعلامية عن تجربة شعرية بهذا العمق؟

الأكثر إثارة للتساؤل ربما لا يتعلق بالإعلام وحده، بل يتجاوز ذلك إلى المؤسسات التربوية، وعلى رأسها وزارة التعليم. فالشاعر حسن أبو علّة لم يكن مجرد شاعر يكتب من خارج المشهد التعليمي، بل قضى سنوات طويلة في ميدان التربية والتعليم معلماً ومربياً، وهو ميدان ترك بصمته الواضحة في تجربته الشعرية. فقد حضرت المدرسة والمعلم والرسالة التربوية في عدد من قصائده، حتى أصبح شعره قريباً من روح الميدان التربوي وهمومه. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لم تجد أشعار هذا الشاعر طريقها إلى المناهج الدراسية أو المختارات الأدبية التي تقدم للطلاب نماذج من الشعر السعودي المعاصر؟ فالمناهج التعليمية ليست مجرد مقررات دراسية، بل هي أيضاً ذاكرة ثقافية للأمة. وعندما يغيب اسم شاعر كبير عن هذه الذاكرة، فإننا لا نفقد مجرد نص شعري، بل نفقد فرصة تعريف الأجيال الجديدة بأحد الأصوات التي ساهمت في تشكيل المشهد الأدبي في الوطن.

إن الاحتفاء بالمبدعين لا ينبغي أن يقتصر على لحظات التكريم أو الأمسيات الأدبية، بل يجب أن يتحول إلى حضور حقيقي في الإعلام، وفي المؤسسات الثقافية، وفي المناهج التعليمية التي تصنع وعي الأجيال. لقد آن الأوان أن نطرح هذا السؤال بوضوح: كم من شاعر كبير ما زال ينتظر أن يكتشفه الإعلام بعد أن قضى عمره في خدمة الكلمة فالشعراء الكبار لا يصنعهم الإعلام، لكن الإعلام مسؤول عن تعريف المجتمع بهم. وإذا كان الشاعر حسن أبو علّة قد انتظر طويلاً حتى يصل صوته إلى مساحة أوسع من الجمهور، فإن إعادة اكتشافه اليوم ينبغي أن تكون بداية لمراجعة أوسع في طريقة تعاملنا مع رموزنا الثقافية.

ومضة ختامية:
الأمم التي تكتشف مبدعيها متأخرة، لا تعاني من نقص في الإبداع… بل من تأخر في الاعتراف به.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى