المقالاتعام

قدس: رائد من رواد قافلة الثقافة السعودية

جاء الناقد الأستاذ محمد علي قدس إلى ميدان النقد الأدبيّ في المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر، وأصبح في غضون سنوات قليلة ناقدًا أصيلاً مكتملَ الأداة، واضحَ النهج، وقد تميز بقدرته الفائقة على تحليل النصوص الأدبية وتقديم رؤى نقدية عميقة. وليس قدس ناقدًا أدبيًا فقط بل أيضًا كاتبًا وقاصًا له العديد من المجموعات القصصية. وقد كرس حياته المهنية في خدمة القطاع الثقافي في الوطن من خلال انتمائه لفترة طويلة للنادي الثقافي الأدبي بجدة – الذي تم الاحتفاء بخمسينيته قبل عامين – جنبًا إلى جنب مع الأساتذة عبد الفتاح أبو مدين، والأستاذ عزيز ضياء – يرحمه الله- ود. عبد الله الغذامي، ود. سعيد السريحي – يرحمه الله – وغيرهم، فكان أحد دعائم المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية خلال تلك الفترة الطويلة وشاهد على تميز المسيرة الثقافية في المملكة وتطورها.

وليس من قبيل المبالغة الإشادة بالدور الكبير الذي لعبه النادي الثقافي الأدبي من خلال ندواته، ومحاضراته، وإصداراته، ودورياته المتخصصة والتي تميزت بشكل خاص في عقد الثمانينيات الذي يعتبر العقد الذهبي للنادي. إلى جانب استضافته للعديد من مشاهير الأدباء والنقاد العرب أمثال د. عبد السلام المسدي ود. حسين مؤنس ، ود. حسن ظاظا وغيرهم. وكان للأستاذ قدس دائمًا تعليقاته ومداخلاته الهامة في تلك الندوات والمحاضرات. وقد شغل قدس عدة مناصب قيادية في النادي منها أمين سر النادي الأسبق، وعضو مجلس الإدارة في النادي بعد تحوله الى “جمعية” عام 2025.

ولغةٌ قدس الذي يعتبر من رواد القصة القصيرة في المملكة هي لغة تزاوج وتوازن بين العقل والعاطفة، وبين الواقع والخيال وبين الشكل والمضمون من خلال نص أدبي يعتمد على البعد النفسي والفلسفي ويضع للإنسان قيمة كبيرة. ومن أبرز مجموعاته القصصية: نقطة ضعف ، وأقبل الشتاء ـ الانتظار ـ الضجرـ عندما يموت الحب – مواسم الشمس المقبلة ـ النزوع إلى وطنٍ قديم ـ هموم صغيرة ـ ما جاء في خبر سالم، وغيرها.

ويعبر قدس في أعماله الأدبية كما في دراساته النقدية ،عن جانب مهم في شخصيته وهو اهتمامه بمعاناة الانسان وآلامه وقضاياه، وهو يشرح هذا البعد المهم في شخصيته بقوله:
” أحاول ان أعيش الحياة كما يعيشها الناس المأزومون من حولي، أحس بآلامهم، وأشعر بمعاناتهم وأعايش أزماتهم، هي حقائق تعطي النص الذي يكتبه القاص شفافيته ومصداقيته”.

وقد تعرفت إلى الكاتب والناقد الكبير الأستاذ قدس عن قرب بعدما أهديته بعض كتبي عندما تفاعل معها من خلال قراءة نقدية متعمقة، ففي قراءته لروايتي “مسفر وسارة” يقول الأستاذ محمد علي قدس تحت عنوان “الحب حينما يولد غريبًا ويعود غريبًا” المنشور في مجلة “اليمامة ” في 08/08/2024 : ” حقيقة تفاجئني الروائية د. سونيا أحمد مالكي بهذا العمل السردي اللافت بلغته البسيطة و موضوعه الشيق، وبشخصياته المتناغمة والمتناقضة، وأحداثه المشوقة – تبدو الرواية بقصة حب عادية ولكنها تشبه إلى حد بعيد تلك المفارقة العجيبة لرواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، في رحلة حب في الشمال نشأت بين سارة ابنة المدينة المتحضرة ومسفر البدوي إبن القرية الجنوبية المثقف، وقد جمعتهما قاعات محاضرات الجامعة و مكتبتها الضخمة، في رواية طرزتها بخيوط إبداعية لافتة، من خلال لغة سلسة، وأفكار مضيئة، وقدرة كبيرة على تطوير لغتها السردية في فضاء من البساطة المتناهية.

في هذه السطور القليلة يلخص الأستاذ قدس الرواية بكل أحداثها وتفاصيلها وسردياتها من منظار واقعي دقيق في معاييره وموازينه ومن خلال لغة لا تخلو من الإبداع والتفرد.

ويقول الأستاذ قدس في قراءته لمجموعتي القصصية “ظلال” عبر مقاله في مجلة “اليمامة” المنشور في 16/03/2023 تحت عنوان ” في مجموعة د. سونيا مالكي القصصية «ظِلال” – واقعية شفافة في رسم الأبطال وتصوير مناخ الحوار:

تفاجئ القاصة قارئها برصد حالاتها التي تتناولها في نصوصها، مرة من خلال نافذة عريضة تكشف كل التفاصيل، ومرات عديدة من خلال فجوة أو ثقب باب، ولكنها لا تنسى كل التفاصيل بلغة هي أقرب للسرد المباشر الذي لا تتوارى فيه وراء عبارات منمقة أو مملة:
«الخريف يجئ مبكراً!! ها هي شابةٌ فتية ذات عينين واسعتين في طرفيهما حورٌ، ينسدل شعرها الأسود الفاحم على كتفيها مداعباً وجنتيها الورديتين. ثغرها مبتسم دوماً يثير قلوب أولئك المارين بالجوار من حولها من شبان العائلة، غير أنها ليست عابئة بأي منهم».. أسلوب سهل يلامس المشاعر له معانيه البعيدة. وفي نص حوار نجدها صادقة حتى في تصورها للحوار وما يدور في مناخه «ضغطت على شفتيها وبأنفاس متقطعة ردت عليه: أعرف ألاعيبك القذرة.. أنا لست مجنونة”. تركها ودخل غرفة النوم وأغلق الباب بالمفتاح لكيلا يسمع صدى صوتها ويزداد شعورا بالنكد منها، وعندها تصرخ وتصرخ كل أنثى مقهورة: (أخرج أيها الجبان الخائن).

نلمس في هذه الكلمات أهم سمة في سمات الأدب الأثوي – إن جاز التعبير- والذي يوليه قدس عناية خاصة في أعماله الأدبية والنقدية، وهي الانتصار لقضايا المرأة وحقوقها، وهو ما يتضح في أحد تصريحاته لصحيفة الرياض”: ” كنت وما زلت أظن ان الأقدار على كتابة النص الذي يدافع عن حقوق المرأة ويصور معاناة قهرها في مجتمعاتنا الذكورية هي المرأة ذاتها، لكني أزعم ان الرجل حين يكون منصفاً ويعرف الكثير من أسرار معاناتها من خلال تجاربه، يكون أكثر واقعية حيادياً وشفافاً إلى حد بعيد “.

يأتي إعلان مجلسُ إدارةِ جمعية أدبي جدة اختيارَ الأستاذ محمد علي قدس ليكونَ شخصيةَ “ملتقى النصِّ 22” لهذا العام 2026م، وتكريمَه بشكلٍ يليقُ بمسيرتِه الأدبية والإبداعيةِ، اعترافًا بمكانته المرموقة ودوره في تميز وارتقاء الثقافة السعودية التي أصبحت ركنًا أساس في القوة الناعمة السعودية.

د. سونيا أحمد مالكي

طبيبة - مديرة إدارة الصحة المدرسية بتعليم جدة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى