
✍️جمعان البشيري
في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات حتى تكاد تفقد معناها، وتُستهلك فيه النصوص قبل أن تُفهم، يأتي “ملتقى قراءة النص 22” في النادي الأدبي الثقافي بجدة ليعيد للنص هيبته، وللقراءة عمقها، وللثقافة دورها بوصفها فعلًا إنسانيًا يُعيد تشكيل الوعي، لا مجرد ترفٍ معرفي يُستهلك في هوامش الحياة.
هذا الملتقى، الذي تجاوز في امتداده الزمني حدود الفعالية العابرة، يؤكد في نسخته الثانية والعشرين أنه مشروع ثقافي متكامل، يقوم على تراكمٍ معرفي، ويُراهن على النخبة الواعية التي تؤمن بأن النص ليس كلماتٍ تُقرأ، بل عوالم تُفكك، وأسئلة تُستفز، ورؤى تُعاد صياغتها في ضوء تحولات المجتمع.
لقد نجح “قراءة النص” عبر مسيرته في أن يتحول من مجرد ملتقى نقدي إلى منصة فكرية تُعيد تعريف العلاقة بين النص والمتلقي، حيث لم يعد النص كيانًا صامتًا، بل أصبح كائنًا حيًا يتنفس عبر القراءات المختلفة، ويتشكل وفق زوايا متعددة، تمتد من الشفاهية الأولى إلى الكتابة الرقمية المعاصرة.
وفي جدة – المدينة التي تُجيد الإصغاء للحكايات بقدر ما تُجيد صناعتها – يكتسب الملتقى بُعدًا إضافيًا؛ إذ تتحول الجغرافيا إلى شريكٍ في إنتاج المعنى، ويغدو التنوع الثقافي الذي تزخر به المدينة أرضًا خصبة لتلاقح الأفكار، وتفاعل المدارس النقدية، وتشكيل خطاب أدبي يتجاوز المحلي إلى أفقٍ عربيٍ أرحب.
ولعل أبرز ما يميّز هذه الدورة، وما سبقها من دورات، هو انشغالها الحقيقي بسؤال الهوية الأدبية، ذلك السؤال الذي لم يعد مؤجلًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. كيف نقرأ تراثنا؟ وأين يقف النص الشفاهي في زمن المنصات الرقمية؟ وكيف يمكن للنقد أن يواكب هذا التحول دون أن يفقد أصالته؟
إنها أسئلة لا تُطرح للتنظير، بل تُناقش بوصفها ضرورة ثقافية، تفرضها طبيعة المرحلة، وتستلزم إعادة بناء أدوات القراءة، وتحديث آليات الفهم، بما يحفظ للهوية حضورها، ويمنحها القدرة على التجدّد.
ولم يكن أثر الملتقى حبيس القاعات، بل امتد إلى المجتمع الأدبي بمختلف مكوناته؛ حيث أسهم في تنشيط الحركة النقدية، وفتح آفاق جديدة للباحثين الشباب، ومنحهم مساحة للتعبير والمشاركة، كما عزز من حضور الأدب السعودي بوصفه تجربة متنامية تستحق القراءة والتأمل.
بل إن الأثر الأعمق يتمثل في إعادة الاعتبار لفعل القراءة ذاته، بوصفه ممارسة واعية تتجاوز التلقي السطحي، لتصل إلى مستوى الفهم والتحليل، ومن ثم الإسهام في إنتاج معرفة جديدة، تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الوعي الجمعي.
وفي ظل هذا الحراك، لم يعد المثقف متلقيًا فقط، بل أصبح شريكًا في صناعة المعنى، ومسؤولًا عن توجيه البوصلة الثقافية نحو ما يعزز الوعي، ويحصّن المجتمع من السطحية، ويُعيد للنص مكانته بوصفه أحد أهم أدوات البناء الحضاري.
“قراءة النص 22” ليس مجرد رقم في سلسلة فعاليات، بل هو محطة جديدة في مشروع ثقافي طموح، يثبت أن الأدب – مهما تبدلت وسائطه – يظل قادرًا على التأثير، وعلى إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
همزة وصل :
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الملتقى…
أنه لا يقرأ النصوص فحسب، بل يعيد قراءة المجتمع، ويمنحنا فرصة لنرى أنفسنا في مرآة الأدب، كما ينبغي أن نكون، لا كما اعتدنا أن نرى.






