✍️ جمعان البشيري
ربما من يقرأ العنوان يظن أننا أمام إعلانٍ وظيفي جديد: محلل بيانات، محلل مالي، محلل سياسي، أو حتى خبير يقرأ المؤشرات والتقارير ويتنبأ بتقلبات السوق.
لكن المضحك المبكي، أن “المحلِّل” الذي تتداوله بعض المنصات الصفراء والسوداء هذه الأيام، لا علاقة له بالأرقام ولا بالاقتصاد ولا بالتحليل الاستراتيجي، بقدر ما يكشف حجم العبث حين تتحول القضايا الحساسة إلى محتوى للاستهلاك السريع.
فجأة… وبكل خفة، ظهرت إعلانات مبطّنة، وعروض مباشرة، ومقاطع تُقدَّم بروحٍ ساخرة، وكأننا أمام وظيفة موسمية شاغرة:
“مطلوب محلِّل شرعي… بشروط ميسّرة!”
هكذا ببساطة.!
وكأن الأمر لا يتعلق بعقدٍ وصفه القرآن الكريم بـ “الميثاق الغليظ”، بل بخدمة مؤقتة يمكن إنجازها – كساعات العمل الرسمية – مع احتمالية وجود عروض خاصة للعملاء الدائمين!
المشهد في حقيقته لا يثير الضحك بقدر ما يكشف حالة من التبلّد التدريجي تجاه خطورة تحويل الأحكام الشرعية والقضايا الأسرية إلى مادة استعراضية.
فالزواج – في صورته الإنسانية والشرعية – لم يعد لدى البعض رابطة قائمة على المودة والمسؤولية، بل أصبح في بعض الطروحات أشبه بـ “كبري” تعبره المرأة لتستعيد وضعها السابق ، وفارسها المغوار؛ وكأن العلاقة الإنسانية إجراء إداري يحتاج إلى ختم وتوقيع من طرف ثالث إضافي لا أكثر.!
ولعل المفارقة الأكثر غرابة، أن هذا العبث يُقدَّم أحيانًا بروح كوميدية تذكّرنا بمشاهد مسرحية “الواد سيد الشغال”؛ – التي قدمها الكوميدي عادل أمام- حيث تتبدّل الأدوار بسرعة، ويتحول الإنسان إلى شخصية تؤدي ما يُطلب منها وفق الظرف لا وفق القناعة.
لكن .. الفرق المؤلم، أن المسرح كان يُضحكنا؛ لأننا ندرك أنه تمثيل ، بينما بعض ما نراه اليوم يُقدَّم بجدية مدهشة… وكأن العبث أصبح واقعًا قابلاً للتطبيع.
وفي زحمة “الترند”، خرج علينا من يتحدث بثقة خبير:
هذا يفاخر بسرعة “التنفيذ”، وآخر يروّج لـ “السرية التامة” ، وثالث يتحدث وكأنه موظف خدمة عملاء يشرح مزايا الباقة الذهبية التي سيقدمها !
حتى بدا المشهد وكأننا أمام تطبيق خدمات رقمية، تختار منه “العرض الأنسب” بضغطة زر، مع إمكانية تقييم الخدمة بعد انتهاء “التجربة”!
غير أن خلف هذا التهريج المختبئ تحت عباءة المزاح، تكمن مشكلة أعمق وأكثر خطورة: تسطيحٌ متدرج للوعي، وتحويلٌ للأحكام التي جاءت لضبط السلوك وردع العبث إلى أدوات للتحايل والالتفاف.
فالفكرة في أصلها لم تُشرع لتكون بابًا مفتوحًا للاستثمار أو مادة للمتاجرة، بل وُضعت لتكون حاجزًا أخلاقيًا ونفسيًا يردع قبل أن يُستخدم.
والمؤسف أكثر، أن هذا المحتوى لا يعيش في فراغ.
بل يجد جمهورًا، وتفاعلًا، وضحكات، وإعجابات، وكأننا أمام فقرة ترفيهية عابرة، لا قضية تمس بنية الوعي الاجتماعي وقيمه.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس غرابتها… بل اعتيادها.
حين يصبح غير المألوف مألوفًا، والمستهجن مادة للضحك، والتجاوز مجرد “ترند” عابر، فذلك يعني أن البوصلة بدأت تفقد اتجاهها بهدوء، دون ضجيج يُنذر بالخطر.!
همزة وصل :
بعضُ المشاهد لا تُفسدها الجرأة بقدر ما يُفسدها اعتياد التصفيق لها… فحين يتحوّل العبث إلى مادةٍ للضحك، يصبح الوعي هو أول الضحايا.
وفي النهاية، قد نختلف حول مسؤولية المنصات، وقد نحمّلها جزءًا من المشهد، لكن الحقيقة الأكثر وضوحًا أن السوق لا يقوم إلا بزبائنه.
فإن كان هناك من يعرض “وظيفة محلِّل”… فهناك – بكل أسف – من يبحث عن التوظيف..!






