المقالات

المس الشيطاني بين الدين والطب النفسي

خلق الله جل وعلا الانسان من جسد ونفس وروح، فالنفس هي مجموعة من السلوكيات من دوافع وانفعالات فطرها المولى عز وجل في الانسان فأصبح يتصرف وفقاً لها، بإذن من الله جل وعلا، والانسان محاسب عليها في اغلب الأحوال ومسئول عن تهذيبها، وفقاً للأمانة التي قَبِل بحملها، مالم يكن قد خرج من دائرة الوعي والادراك.
والدوافع معروفة وهي اما بيولوجية، مثل الجوع والعطش، والنوم، والجنس، او نفسية واجتماعية مثل تحقيق الذات، والتنافس، وحب المال والحياة، ونحوه. اما الانفعالات فهي ايضاً معروفة، مثل الخوف، والحزن، والغضب، والفرح، والغيرة، ونحوه. وهذه الدوافع والانفعالات قد يسخرها الانسان للخير وقد يسخرها للشر، فمن أراد الله به خيراً فإنه يسخّر هذه الدوافع والانفعالات، في معظم الأحوال، فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة. اما الشقي فإنه قد يسخرها بعكس ذلك.
وحسب ما ورد في الكتاب والسنة فان هناك علاقة ما بين النفس والروح، بمعنى ان الروح في الانسان، والتي هي من امر الله، يتداخل معها نوعان من مخلوقات الله الروحانية، وهما الملائكة والشياطين، حيث ورد ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، والذي سيأتي لاحقاً في السياق.
وهناك امثلة بينها القرآن والسنة توضح كيف يستغل الشيطان الدوافع في الانسان مثل حب المال فيدفعه الى الشح وكراهية الصدقة قال تعالى {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلا، والله واسع عليم}، وكيف يستغل ايضاً انفعال الغيرة كما ورد في حديث ام المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تبعته عندما خرج ليلاً خوفاً منها انه ذهب الى احدى زوجاته فقال لها: “أقد جاءك شيطانك”. والامثلة في ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، حيث بينت ان الشيطان يستغل الانفعالات في الانسان مثل انفعال الخوف وانفعال الحزن فيخيف الانسان ويحزنه.
وقد قام علماء النفس من غير المسلمين بمحاولة تفسير سلوكيات النفس وسمّوها (الأنا)، وقسموها الى ثلاثة اقسام: (1) الأنا السفلى، وهي الجانب الشهواني في الانسان والتي تميل الى اشباع شهوتها كيفما كان. (2) الأنا، وهي الجزء الواعي من الانسان الذي يختار، (3) الأنا العليا، وهي القيم والمبادئ المكتسبة من الدين والأعراف الاجتماعية. وذكروا ان الأنا الواعية هي التي تدير الصراع بين الأنا السفلى والأنا العليا، أي بين شهواته ومُثُله العليا، ثم تختار.
وفي الحقيقة انهم لم يأتوا بجديد، فقد دلنا القرآن على ذلك بقوله تعالى {ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها}، أي بين لها الخير والشر وهداها الى ما قُدّر لها. ودلنا ايضاً ما ورد في السنة من الحديث الذي رواه مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما منكم من أحد الا وكّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي إلا ان الله اعانني عليه فأسلم فلا يأمرني الا بخير”. اي ان كل انسان مُصاحب بقرين من الشياطين، يدعوه للشر والمعصية بالوسوسة، وقرين من الملائكة يلهمه الخير والسداد.
وموضوعنا هنا، هو حول أحد الاضطرابات النفسية المثيرة للاستغراب والذي يدور حوله جدل كبير، وهو الاضطراب الهِستيري، او ما يعرف عند الفقهاء والرقاة بالمس الشيطاني، وما إذا كان هو يحدث بفعل الشيطان منفرداً، حسب ما يقول به بعض اهل العلم، ام ان هناك عوامل أخرى تؤدي الي المس، بالإضافة الى الشيطان، حيث يصر بعض الفقهاء على انه جني يدخل في جسد الانسان ويصبح متحكماً في وعيه وادراكه ولا بد من إخراجه بأي طريقة، بينما يصر أطباء النفس على ان هذا الاضطراب هو نفسي مئة بالمائة، ولا يعترفون بتأثير الشيطان على سلوكيات الانسان في هذا الاضطراب، والذي هو بلا شك جانب عقدي مهم يجب اخذه في الاعتبار
وقبل ن نخوض في هذا التباين الفكري في مفهوم هذا الاضطراب الذي أدى الى حدوث بلبلة في مفاهيم الناس عن المس الشيطاني، لابد ان نعرّف اولاً ما هو (الشيطان)، فهناك تعريف لغوي وتعريف شرعي، فاللغوي مأخوذ من الفعل (شطن) بمعنى بَعُدَ وهو ما يشير الى إبعادِ الشيطان عن رحمة الله تعالى. اما شرعاً فهو كل متمردٍ من الجن والانس يدعو الى الضلال بالإغواء والوسوسة.
وقد وردت كلمة الشيطان في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة منها ما يُقصد به (ابليس) ومنها ما يُقصد به كل ضال مضل لغيره او مبتعد عن الحق، نذكر منها قوله تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا} ومنها ما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي واحمد ومالك والنسائي بسند حسن عن كراهية سفر الانسان بمفرده او الفردين، يقول صلى الله عليه وسلم: “الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب”.
كما ورد ذكر مس الشيطان للإنسان في القرآن في ثلاث آيات فقال الله تعالى:
(1) {الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}
(2) {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}
(3) {واذكر عبدنا أيوب إذا نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}
وقد ورد في السنة ايضاً أحاديث عن مس الشيطان للإنسان يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) “ما من بني آدم مولود الا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان، الا مريم وابنها”
(2) “ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم”
(3) “إذا تثاءب احدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل”
(4) “إذا تثاءب احدكم فلا يقل: هآه، فإن الشيطان يضحك في جوفه”
(5) “إذا استيقظ احدكم من منامه، فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه”
(6) “ذاك رجل بال الشيطان في اذنيه”
فكل هذه الأدلة الشرعية تثبت ان للشياطين تأثير اما على فكر الانسان بالوسوسة او تأثير على بدنه، ولكن هذا التأثير غير محسوس وانما يظهر على هيئة اعراض بينتها الآيات والأحاديث.
ولعل أقرب ما يكون في دائرة الاتهام من الشياطين هو قرين الانسان الذي يجري فيه كما يجري الدم في عروقه. وعليه فلا يمكن ان تكون الوسوسة في صدر الانسان وفي عقله الا إذا كان موجوداً داخل الانسان، فنحن لم يحدث لنا يوماً ان سمعنا الشيطان يتحدث الينا في آذاننا ويوسوس لنا من الخارج وانما الوسوسة في صدورنا وفي تفكيرنا.
وفي كل الأحوال هنالك سؤال يفرض نفسه وهو: هل يستطيع الانسان كف هذا التأثير بإذن الله، وحتى ايضاً في حالة المس الهِستيري. وقبل الاجابة على هذا السؤال المهم جداً، لابد لنا اولاً ان نعرّف ما هو المس الشيطاني وما هي صُوَرُه. فالتعريف اللغوي يقول ان المس لغةً هو اللمس او الإصابة. اما شرعاً فهو تأثير الشيطان على فكر الانسان وسلوكه. وهو يحدث على درجات متفاوتة من الشدة ابتداء من الوسوسة، كما في قوله تعالى {الذي يوسوس في صدور الناس}. مروراً بحالة الغضب، كما في الحديث “إن الغضب من الشيطان”، وصولاً الى المس الهستيري او التخبط.
والاجابة هي: نعم يستطيع الانسان، بإذن الله، ان يكف تأثير المس الشيطاني والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. فمن القرآن قوله تعالى:
(1) {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}
(2) {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، انه هو السميع العليم}
(3) {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}
والأدلة على ذلك من السنة قوله عليه الصلاة والسلام:
(1) “من قرأ آية الكرسي عند نومه، لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح”
(2) “إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب: اعوذ بالله من الشيطان”
(3) “إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة”
ويستثنى من ذلك اشد أنواع المس وهو المس الشيطاني، وهو ما يعرف في الطب النفسي بالهِستيريا، لأن المصاب في كثير من الأحوال يكون خارجاً عن دائرة الوعي والادراك او عدم الاتزان السلوكي.
اذاً، هل من الممكن القول بان المسؤول عن هذا الاضطراب هو الشيطان وحده، ام ان هناك عوامل أخرى لا بد من التعامل معها وعلاجها. اعتقد ان المسألة أوسع من قول الفقهاء، في العصور السابقة بان السبب هو دخول الجن والشياطين في جسد الانسان والسيطرة عليه والتحدث على لسانه، كالقول بأنه يحبه او أنه قد قذفه بحجر او تبوَّل عليه، بدون أي دليل شرعي او علمي، لأن دخول الشيطان في جسد الانسان ليس بالأمر الصعب وهو يتم في أحوال كثيرة دون ان يلحظ الانسان ودون ان يحدث تخبط له، كما دلت على ذلك السنة.
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا تثاءب احدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل” وما ورد في الحديث “إذا تثاءب احدكم فلا يقل: هآه، فإن الشيطان يضحك في جوفه”، وهذا الضحك بالطبع غير محسوس، كما ان هناك قرين يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا القرين الشيطاني والذي لا يشعر به الانسان ولا يغادر جسده بصفة دائمة، لأنه وكّل به، ولم يُستثن احدٌ من ذلك حتى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، الا ان الله عصم النبي منه.
إذاً كيف يحدث المس الهستيري؟
من خلال التعامل مع المس الهستيري، والاسترشاد بالأدلة من الكتاب والسنة، ونظريات التحليل النفسي، والمعلومات المتوفرة عن طب الاضطرابات النفسية، يظهر ان المس الهستيري الشيطاني، لا يحدث الا إذا توفرت ثلاثة عوامل مجتمعة وليس عامل واحد او عاملين، كما يدعي البعض:
(1) قابلية الشخص وطبيعة شخصيته للاستجابة للمس الهستيري.
(2) الضغوط النفسية والصراع النفسي الذي لا يستطيع المصاب التكيف معه.
(3) تأثير الشيطان على وعي الانسان بحيث لا يستطيع ان يوقف سلوكياته غير المتزنة.
والعلاج في هذه الحالات يكمن في طريقة التعامل مع كل عامل من هذه العوامل على حدة، فالاكتفاء بعلاج عامل واحد او اثنين، مدعاة لاستمرار الاعراض دونما فائدة تُذكر. فالعامل الأول يتم التعامل معه بالعلاج السلوكي، وذلك بتدريب المصاب على تحمل مشاعر القلق والحزن وكيفية مجابهة الضغوط والاستفزازات بالحكمة والتبصر، والارتقاء بشخصيته، وقد تأخذ هذه المسألة وقتاً، ويمكن الاستعانة في بعض الحالات ببعض العقاقير الطبية.
اما العامل الثاني فيتم التعامل معه بمحاولة حل الصراع الموجود في داخل المصاب، وافهامه بأن علاجه يكمن في تفريغه لكل أسباب معاناته لطبيب الامراض النفسية والعصبية، او المعالج النفسي، بعد تطمينه بأنه لن يُفشي أي سر من اسراره، مع اقتراح حلول لمشاكله التي أدت به الى هذا الحال، فكما هو معروف ان أعصاب الانسان لها قدرات محددة فإذا تحملت أكثر مما تطيق، تصبح مثل اسلاك الكهرباء إذا زادت شدة التيار الكهربائي خلالها فإنها قد تحترق.
والعامل الثالث والأخير فهو الشيطان وما أدراك ما الشيطان، العدو الأول للبشرية، فهو يستغل العامل الأول والثاني في ايقاد الشرارة التي تجعل الانسان ينهار في نوبة من الهستيريا. فإذا لم يضع المصاب له حداً فلن يفيق من سكرته المرضية، وذلك اولاً بكثرة الاستعاذة بالله من الشيطان، والاستعانة عليه بالله وكتابه الكريم واتباع المنهج النبوي في مقاومة وسوسته وتزيين الباطل والشهوات في عينيه.
كما ان الرقية ضرورية في هذه الحالات بأن يرقي المصاب نفسه بالآيات والأحاديث المأثورة، في حالة وعيه وادراكه، او بالاستعانة، بعد الله، ببعض الرقاة الموثوقين في حالة عجزه عن رقية نفسه، وليس بالاستعانة بأهل البدع والدجل والشعوذة الذين يدّعون انهم يستنطقون الجن في المريض بالضرب والخنق ويستدلون على أحوال الجن بهذا الاستنطاق، الامر الذي لا دليل عليه من الكتاب او السنة، حتى وان قال به من قال من اهل العلم.

وخلاصة القول ان المس الهستيري ليس شيطان فقط وانما هناك أمور أخرى لا بد من استيعابها، ومهما ادعي البعض انهم يستطيعون اخراج الجني او الشيطان من المصاب، بالحوار مع الجني المزعوم فهو محض ادعاء، فالجنى لا يُرى، وليس له بطاقة اثبات هوية يمكن التحقق منها، وصوته في الانسان ليس عليه دليل لا نقلي ولا عقلي، والإصرار على ذلك يكون كالذي يريد ان يفرغ حوض من الماء بواسطة غربال.
فينبغي للمعالجين الشعبيين المتبنين لهذا التوجه، ان يتقوا الله ولا يسهموا في زيادة تخبط المصاب بأفكارهم الخاطئة، فلو كان هذا المس الهستيري بسبب الشيطان وحده، لما رأينا بعض المسلمين الموحدين الأتقياء يصابون بالمس الهِستيري، بينما بعض غير المسلمين والذين هم أولى بالمس الشيطاني، وهم من يقول الله تعالى في حالهم: {ألم ترَ أنّا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا}، بل بالعكس فإننا نراهم على درجة كبيرة من الاتزان والدهاء، حيث وصف الله عز وجل شدة مكرهم في قوله تعالى {وان كان مكرهم لتزول منه الجبال}.
وثمة تأكيد أخير لما سبق، في قول الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم}، وهذه الآية تثبت ان الشياطين هي التي توحي لكفار الإنس ليجادلوا المؤمنين، وليس الشياطين هي التي تجادل وتكلم الانس مباشرة.
وبناء على ما سبق فإن المس الشيطاني هو عبارة عن: [اضطراب نفسي يستغل فيه الشيطان الانفعالات غير المتزنة في بعض من لهم القابلية لذلك، نتيجة تعرضهم لضغوط نفسية شديدة لم يستطيعوا مقاومتها، وفي محاولة نفسية منهم للهروب من واقعهم الأليم، ينشأ لديهم انواع من التصرفات الهِستيرية].
هذا، وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى