المقالات

قيادة الأورام في زمن “القابضة”: الجسر المفقود نحو التميز وجودة الحياة

بينما تمضي المملكة في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، يبرز قطاع الأورام كأحد أدق الاختبارات لمنظومة “الصحة القابضة”. إن التحدي في الأورام لا يقتصر على توفير الأدوية الحديثة فحسب، بل يكمن في غياب “مراكز التميز” العابرة للمناطق، والتي تضمن أن يحصل المريض في أقصى الجنوب أو الشمال على نفس جودة الرعاية التي يحصل عليها في المدن الكبرى.
1. الأورام ورؤية 2030: أبعد من مجرد علاج
تضع الرؤية “عمر الإنسان” وجودة حياته كأولوية قصوى. في تخصص دقيق كالأورام، القيادة تعني الانتقال من “الرعاية التقليدية” إلى “الرعاية القائمة على القيمة”. نحن بحاجة لتمكين قيادات تدرك أن تأخير جرعة كيماوي أو تعثر تشخيص مبكر ليس خطأً إدارياً فحسب، بل هو تهديد لمستهدفات وطنية تسعى لرفع متوسط العمر المأمول وتحسين مؤشرات الصحة العامة.
2. معضلة “تشتت الرعاية” والحاجة لمراكز التميز
يعاني قطاع الأورام حالياً من فجوة جغرافية؛ فالمريض قد يضطر للسفر لمئات الكيلومترات بحثاً عن مركز متخصص. هنا تبرز الحاجة لقيادات “تجمعية” قادرة على بناء شبكة ربط وطنية:
• توحيد البروتوكولات: لا يمكن ترك علاج السرطان للاجتهادات الفردية؛ نحتاج قيادة تفرض مراكز تميز موحدة تربط كافة مناطق المملكة تقنياً وعلاجياً.
• العدالة في الوصول: القائد الحقيقي في “الصحة القابضة” هو من يضع استراتيجية تضمن وصول “الاستشاري” أو “الخطة العلاجية” للمريض في منطقته عبر مراكز التميز الافتراضية أو الفعلية، بدلاً من تكبد المريض عناء السفر.
3. القيادة التخصصية: حماية الممارس والمريض
في مجال معقد كالأورام، نحتاج قيادات تمتلك “الوعي بالسلامة”. القيادة هنا تعني:
• تطبيق أعلى معايير الحماية (PPE) والمضخات الذكية لحماية الكادر التمريضي والطبي من مخاطر العلاجات الكيميائية.
• خلق بيئة عمل تمنع الاحتراق الوظيفي للممارسين الذين يتعاملون مع حالات إنسانية صعبة يومياً.
4. جودة الحياة: الرحلة لا تنتهي بالجرعة
برنامج جودة الحياة يتطلب قيادات تنظر لمرضى الأورام من منظور “الرعاية التلطيفية” والدعم النفسي والاجتماعي. نحن بحاجة لمراكز تميز لا تعالج الخلايا السرطانية فحسب، بل تهتم بجودة حياة المريض وأسرته، وهو ما يتطلب قيادة ذات “ذكاء عاطفي” وإداري عالي.
الخلاصة: قيادات تصنع “الأثر” لا “الأرقام”

إن غياب مراكز تميز للأورام تربط مناطق المملكة هو الثغرة التي يجب أن تملأها قيادات “الصحة القابضة” الجديدة. نحن لا نحتاج لمدراء يراقبون الميزانيات، بل لخبراء يقودون التحول لإنشاء منظومة أورام وطنية موحدة، تجعل من “التميز” حقاً مشاعاً لكل مواطن في أي بقعة من وطننا، تماشياً مع طموح القيادة في جعل الصحة السعودية نموذجاً عالمياً.

علي أحمد عسيري

قائد ورئيس زمالة تمريض الأورام - مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى