المشكلة في التعليم والتدريب اليوم ليست نقص البيانات، بل عجزها عن إحداث تغيير فعلي في الواقع. تتراكم المؤشرات، بينما يظل أثرها حبيس التقارير دون أن ينعكس على الممارسة. عند هذه الفجوة يتشكل التحول الحقيقي: حين تتحول البيانات من غاية في ذاتها إلى أداة لفهم الأداء وتوجيهه. فالتقويم الذي لا يفضي إلى قرار يظل تقريرًا مؤجل الأثر، مهما بلغت دقته. ولا تفشل الأنظمة بسبب نقص البيانات، بل بسبب عجزها عن تحويلها إلى فعل.
ولا يبدأ هذا التحول بإضافة أدوات جديدة، بل بإعادة ترتيب العلاقة بينها. ففي كثير من الأنظمة تتوافر أدوات القياس والتقويم والاعتماد، لكنها تعمل في مسارات متوازية، فتتراكم البيانات دون أن تنعكس على الممارسة الفعلية. هنا تتضح الحاجة إلى إطار يجمع هذه الأدوات ويعيد تنظيمها داخل قراءة مترابطة قابلة للتوظيف.
في هذا السياق، قادت هيئة تقويم التعليم والتدريب بناء منظومة وطنية متكاملة ترتكز على القياس والتقويم الشامل، وتعمل بتكامل مع وزارة التعليم ومجلس شؤون الجامعات والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. ولم يكن الهدف جمع الأدوات بقدر ما كان ضبط موقع كل منها داخل نظام يُدار من خلاله الأداء.
وتبلور هذا التوجه في “النموذج السعودي لضمان وضبط جودة التعليم والتدريب”. ولا تعود قوته إلى تبنّي معايير عالمية بقدر ما ترتبط بطريقة توظيفها. فالبيانات لم تعد تُعرض كحصيلة نهائية، بل أصبحت مدخلًا لفهم ما يجري داخل المنظومة، ومن ثم توجيه التحسين، بحيث ترتبط جودة التعليم والتدريب بقيمتهما الفعلية، لا بمستوى مؤشراتهما فقط. وحين لا تقود البيانات إلى قرار، تتحول من مورد واعد إلى عبء مكلف.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح عند النظر إلى البنية المؤسسية للنموذج. إذ تعمل الجهات السبع تحت مظلة هيئة تقويم التعليم والتدريب ضمن تكامل وظيفي يشمل: المركز الوطني للقياس، والمركز الوطني للتقويم والتميز المدرسي، والمركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي، والمركز الوطني لتقويم واعتماد التدريب، ومركز درع لتقويم واعتماد المؤسسات العسكرية، ومركز البحوث للقياس والتقويم والاعتماد، والأكاديمية الوطنية للتقويم والقياس والاعتماد.
وتعمل هذه الجهات ضمن سلسلة واحدة، تنتقل فيها البيانات من الإنتاج إلى التفسير ثم إلى القرار، وهو ما يحول المخرجات من أرقام متفرقة إلى معرفة قابلة للاستخدام.
ويقوم النموذج على ثلاثة مستويات مترابطة: ضمان الجودة، وضبط الجودة، والتحسين المستمر، وتُطبّق عبر مجالات تشمل المستفيد والممارس والمؤسسات والبرامج. ويتيح هذا البناء قراءة الأداء بوصفه شبكة علاقات، لا مجموعة مؤشرات منفصلة.
وعند الانتقال إلى التطبيق، تتضح الصورة أكثر. ففي التعليم العام، تُستخدم «نافس» لقياس نواتج التعلم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وتُستكمل القراءة عبر اختبارات القدرات والتحصيلي في المرحلة الثانوية، ما يوفّر تتبعًا متصلًا للأداء عبر المسار التعليمي. وعندما تُقرأ هذه النتائج في ضوء الممارسة، تتحول الأرقام إلى تفسير يوضح الفروق ويوجه التحسين.
ويزداد هذا الفهم عمقًا مع إدخال الرخص المهنية للمعلمين، التي تقيس كفايات الممارس وتربطها بنتائج التعلم. فلا تُفهم الرخص كإجراء تنظيمي، بل كأداة تكشف ما يحتاجه المعلم من تطوير، وأين يظهر أثر ذلك على تعلم الطلبة، وتكتمل الصورة في نتائج التقويم المدرسي.
ويمتد هذا المنطق إلى التعليم الجامعي عبر «جاهزية»، حيث يُقاس أثر البرامج بقدرتها على إنتاج مخرجات قابلة للتحقق ومتوافقة مع متطلبات سوق العمل. وفي التدريب، تتخذ المسألة بعدًا أكثر مباشرة؛ إذ تُختبر المعرفة بقدرتها على التحول إلى مهارة قابلة للاستخدام. ومن خلال اعتماد المنشآت وتقويم البرامج والممارسات، يضطلع المركز الوطني لتقويم واعتماد التدريب بضبط جودة القطاع وربط مخرجاته بمتطلبات سوق العمل.
وتتجسد قوة هذا التكامل في بنيته الرقمية. فمن خلال «غرفة حالة التعليم والتدريب»، التي تضم أكثر من 20 مليار نقطة بيانات تغطي مختلف مراحل التعليم والتدريب، تتكامل نتائج الاختبارات وكفايات المعلمين وأداء المؤسسات داخل قراءة واحدة. ولا تكمن قيمة هذا الحجم في كثرته، بل في قدرته على كشف العلاقات التي تنتج الأداء وتحويلها إلى معرفة تُبنى عليها القرارات وتُقاس آثارها.
وتفسر هذه البنية المتكاملة الإشادات الدولية التي حظي بها النموذج. فقد أشار البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى قيمة هذا النهج، حيث لا تكمن القوة في الأدوات، بل في قدرتها على العمل داخل منظومة مترابطة تنتج تفسيرًا للأداء وتوجّه مساره.
ويتسق هذا المسار مع التحول الذي تقوده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، حيث يتقدم الاستثمار في القدرات البشرية بوصفه ركيزة للتنمية. وفي هذا الإطار، يبرز النموذج السعودي كأحد الممكنات التي تربط جودة التعليم والتدريب بعائدها على الإنسان والاقتصاد، من خلال نظام يدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة ويعزز تنافسية المخرجات.
وعند ربط نتائج التعلم بكفايات الممارسين ومخرجات البرامج، تتشكل سلسلة متصلة تُدار بالبيانات من المدرسة إلى سوق العمل، فتُحدَّد نقاط الضعف بدقة ويُوجَّه التدخل في موضعه، ما يعزز كفاءة الاستثمار ويربط المخرجات بالإنتاجية والتنافسية.
ولا يتوقف دور النموذج عند قياس الأداء، بل يمتد إلى إعادة تشكيله عبر فهم علاقاته الداخلية وربطه بعائده الفعلي. فالفارق لا تصنعه وفرة البيانات، بل قدرتها على إعادة تشكيل ما يجري في الواقع. وعندما تصبح البيانات أداة لاتخاذ القرار، تتغير الممارسة، ويظهر الأثر في نتائجه الملموسة.
* أستاذ القيادة التربوية
• مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقًا
#النموذج السعودي_ لضمان وضبط الجودة






