بقلم: د. نسرين الطويرقي
المهنية في بيئة العمل التربوي التزام نظامي وأخلاقي يضبط العلاقة بين الموظف وواجباته، وبينه وبين زملائه، وبينه وبين قيادته. وهي منظومة متكاملة من ستة أركان.
الركن الأول: مهنية الخطاب
الالتزام بالحديث اللائق، وعدم التشهير، وحفظ سرية العمل.
الركن الثاني: مهنية السلوك والمظهر
مراعاة أن للسياق حكمه. فارتفاع الصوت لضرورة تربوية يختلف عن استخدامه بقصد التقليل من الآخر.
الركن الثالث: سلامة المقصد ونزاهة الأداء
من أهم معايير المهنية أن يطابق الظاهر الباطن. ومن أخطر ما يخل بالمقصد: ازدواجية المعايير والتذرع بالشعارات كالتمسك بـ “الألفاظ التربوية” شكلاً، بينما الممارسة الفعلية تشمل الكذب في العطاء وفبركة الحقائق. وهذا يخالف المادة 5 من مدونة السلوك. ويدخل فيه الالتزام حتى نهاية الخدمة وفق المادة 12.
الركن الرابع: احترام التسلسل الإداري
تنص المادة 3 من مدونة السلوك على احترام التسلسل الإداري.
الركن الخامس: أصول الطلب والاستئذان
المهنية تقتضي عرض الطلب بوضوح، واحترام حق الجهة المعنية في القبول أو الرفض المسبب.
الركن السادس: حفظ كرامة الزملاء وموضوعية النقد
النقد البنّاء يركز على الإجراء لا على الشخص، ويستند إلى وقائع موثقة.
خاتمة: عندما يُطلب منك “تكبير الدماغ” عن المخالفة
الدور الإشرافي ركيزة لدعم الميدان. ويُفترض أن يبدأ بحرص على تقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الخلاف، وهذا جهد مقدر.
لكن الإشكالية الكبرى تقع عندما يتحول دور “التهدئة” إلى “طلب التستر”. وذلك حين يُطلب من الرئيس المباشر أو الموظف: “خذي روح العمل وتعاملي بيسر وكبري دماغك.. أنتِ رايحة أو ناقلة”.
هذا القول خطير نظامياً وأخلاقياً للأسباب التالية:
تحريف لمفهوم اليسر وروح العمل: يسر الشريعة في التخفيف عن المكلف في الإجراءات، لا في التخفيف من محاسبة من يكذب في عطائه ويفبرك الحقائق. وروح العمل تعني التعاون على البر، لا التغاضي عن الكذب.
تحريض على مخالفة المادة 13 من مدونة السلوك: التي توجب على كل موظف الإبلاغ عن أي مخالفة يعلم بها. فطلب “تكبير الدماغ” هو طلب صريح بمخالفة هذه المادة.
إسقاط للأمانة بالتقادم: الربط بين كونك “رايحة أو ناقلة” ووجوب سكوتك، يعني أن الأمانة لها تاريخ صلاحية. وهذا باطل، فالأمانة الوظيفية لا تسقط بالنقل ولا تنتهي بانتهاء التكليف.
إضعاف لهيبة الإشراف نفسه: فعندما يطلب المشرف من المدير التغاضي عن كذب وتزوير، فهو يفرغ المنصب الإشرافي من قيمته، ويحوله من “حارس للعدالة” إلى “ميسر للمخالفة”.
الدور الإشرافي الفاعل يقوم على: التدقيق في الجوهر لا الاكتفاء بالمظهر، والتوازن لا الميل، والتوجيه بأن “الأمانة لا تُجزأ” لا بطلب “تكبير الدماغ”. فالمشرف المؤتمن لا يقول للمدير “اسكت لأنك ماشي”، بل يقول “حاسب لأنك مسؤول”.
الخلاصة: المهنية منظومة تكاملية. النزاهة في العطاء والصدق في البيانات واجب على كل موظف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الوظيفي واجب على كل مشرف.
فالميدان لا يستقيم إذا طُلب من الشرفاء “تكبير الدماغ” ليسكتوا عن كذب المتلاعبين بحجة أنهم “رايحين”. الميدان يستقيم عندما يكون المعيار: “الأمانة أولاً.. سواءً بقيت يوم أو سنة”. فالتاريخ المهني يُكتب بالمواقف، والمواقف لا تعرف نقلاً ولا تقاعداً.






