“أرادت أن ترقى فاستنقعت”
حين يجتمع الانتماء والمحبة والنية الصافية، يصبح العطاء سجية لا تحتاج إلى تصفيق. نكتب، ونعمل، ونقدم باسم منسوبات المدرسة، لا لنقول “نحن من فعلنا”، بل لأن الفعل ذاته هو من شهد لنا. فالفارق الجوهري هنا يكمن بين من “يُفعِّل” ليبني، ومن “يُكرِّم” ليُفرِّق.
أولاً: حين يكون الفعل أكبر من الفاعل
في بيئة العمل الصحية، يكون الإنجاز جماعياً حتى لو قادته يد واحدة. نرفع اسم المدرسة لا أسماءنا، ونحتفي بالطالبة لا بمن صورتها، ونُوثق الأثر لا من صنعه. هنا يولد الانتماء الحقيقي، لأن النية الصافية تحوّل العمل من “مهمة” إلى “رسالة”. أما حين تتحول الإنجازات إلى منصات لاستعراض الذات، فإننا نكون قد استبدلنا “التفعيل” بـ “التفاخر”، وخرجنا من دائرة البناء إلى دائرة الأنا.
ثانياً: التكريم سلاح ذو حدين
التكريم وسيلة تربوية نبيلة حين يكون هدفه التحفيز ورفع الهمم. لكنه يتحول إلى معول هدم حين يُستخدم بغرض الفرقة وخلق الطبقات داخل الميدان الواحد. أن تكرم فلانة لأنها تستحق، هذا عدل. أما أن تكرمها لتعزل غيرها، لتقول ضمناً “هؤلاء هم النخبة والبقية هامش”، فهذا هو مبدأ الشللية المقيتة التي تنخر في جسد المؤسسة. الشللية لا تصنع قادة، بل تصنع “جُزراً” معزولة، كل جزيرة تظن أنها الوطن.
ثالثاً: نفوس أرادت أن ترقى فاستنقعت
هنا بيت القصيد. المؤلم في بيئات العمل ليس وجود الضعف، بل أن يتحول الضعف إلى منهج. أن نرى نفوساً تسعى للرقي، لكنها تسلك طريق الإقصاء، فتستنقع. تظن أنها ترتفع حين تخفض الآخرين، وتتوهم أنها تكبر حين تصغّر زميلاتها. والنتيجة؟ أدواتنا التعليمية، ومكاتبنا، وحتى جدران المدرسة، تصبح شاهدة علينا، تتأفف من حالنا وتقول بلسان الحال: “مساكين”. مساكين لأنهم استبدلوا الأثر الباقي بالصدى الفارغ، وظنوا أن المجد يُبنى على أنقاض الآخرين.
الخلاصة: لنخرج من المستنقع
الفرق الذي يجب أن نتعلمه داخل مدارسنا ليس فرقاً إدارياً فقط، بل هو فرق أخلاقي وإنساني. أن نميز بين قيادة ترفع الجميع، وبين إدارة ترفع ذاتها. أن ندرك أن الانتماء الصادق لا يعرف الشللية، والمحبة الحقيقية لا تصنع أحزاباً.
المدرسة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتوزيع الألقاب. هي ميدان زرع. ومن يزرع القمح لن يحصد إلا قمحاً، ومن يزرع الشوك سيستنقع به قبل غيره.
فلنختر بأي أثر نريد أن نُذكر: هل بأثر من ارتقى وارتقى بمن حوله؟ أم بأثر من أراد أن يرقى.. فاستنقع؟





