
كشفت وثائق سرية نشرت، مؤخرًا، عن مواجهة سياسية حادة حدثت بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية في العام 1963، حول برنامج إسرائيل النووي، حيث كان من المعلوم أن فرنسا قامت ببناء مفاعل نووي لإسرائيل في بئر سبع (النقب)، عام 1958، وحيث كانت فرنسا في ذلك الوقت الممول الأكبر للسلاح المرسل لإسرائيل. واعتبرت تلك التقارير أن موقف الرئيس كيندي هذا أدى إلى اغتياله.
واعتبر يوفال نئمان، المستشار الإسرائيلي رفيع المستوى السابق لشؤون العلوم، أن أشكول قبل 25 عاما رأى أن “كينيدي قدم إنذارا حقيقيا لإسرائيل”.”.
وقال نئمان أن القائد الأسبق لسلاح الجو الإسرائيلي دان تواكوفسكي “أبدى مخاوف جدية من أن كينيدي قد يرسل قوات أمريكية محمولة جوا إلى ديمونا، موطن المفاعل النووي الإسرائيلي”. وكان من الواضح أن الرئيس كيندي كان لديه التزاما استثنائيا قويا بمنع انتشار الأسلحة النووية، وكان مصممًا على بذل قصارى جهده لمنع إسرائيل من إنتاج أسلحة نووية، أما بن غوريون ولاحقا إشكول فكانا مصممان بنفس القدر على إكمال مشروع ديمونا، وبالنسبة لهما، كانت القدرة النووية بمثابة بوليصة تأمين لا غنى عنها ضد التهديدات الوجودية لإسرائيل”.
ونشر الأرشيف الوطني الإسرائيلي مؤخرًا وثائق يعود عمرها إلى 50 عاما تكشف تفاصيل المواجهة الإسرائيلية – الأمريكية.
وتشمل الوثائق المجموعة الكاملة للرسائل المتبادلة بين القادة كينيدي وبن غوريون وإشكول والعديد من الوثائق الأمريكية ذات الصلة، والتي تم رفع السرية عن بعضها وأصبحت متوفرة فقط في الأشهر الأخيرة.
وتتضمن الوثائق تقريرًا كاملاً للمفتشين الأمريكيين الذين زاروا ديمونا في عام 1964، ومذكرات ناقش فيها كبار مسؤولي البيت الأبيض كيفية التعامل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ؛ والتقييمات الاستخباراتية التي حللت ما إذا كان المفاعل النووي الإسرائيلي، كما أصر الإسرائيليون، يهدف حقًا الاستخدام السلمي.
عام ١٩٦٨، ذكرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تقريرها الاستخباراتي الوطني السري للغاية أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية.
وكان خبير الذرة الإسرائيلي مردخاي فعنونو قد أكد امتلاك إسرائيل لعشرات الرؤوس النووية, بالإضافة إلى قنابل هيدروجينية، وذلك عبر تصريحه لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية في الخامس من أكتوبر عام ١٩٨٦، عبر مقال نشر في صفحتها الأولى تضمن صوراً وتحليلاً فنياً، وخلص إلى أن إسرائيل قد صنعت أسلحة نووية متطورة، بما في ذلك قنابل هيدروجينية. وقد أضر هذا المقال بصورة إسرائيل العالمية وعقد علاقاتها الدبلوماسية، لا سيما مع الولايات المتحدة.
وكانت المخابرات الإسرائيلية تتعقب فانونو في عملية سرية عُرفت باسم “عملية دايموند”، استدرجه عملاء الموساد من لندن إلى روما باستخدام عميلة تُدعى “سيندي”، تظاهرت بأنها سائحة أمريكية. في روما، اختُطف فانونو، وخُدِّر، ونُقل سراً جواً إلى إسرائيل على طريقة خطف أيخمان.
وقد وجهت إلى فانونو تهمتا التجسس والخيانة. وعُقدت محاكمته خلف أبواب مغلقة، وحُكم عليه بالسجن ١٨ عاماً، قضى منها ١١ عاماً في الحبس الانفرادي.
وفي آخر تطورات إعادة فتح الملف النووي الإسرائيلي، وجه في وقت سابق من هذا الأسبوع، ثلاثون نائبًا ديمقراطيًا في مجلس النواب الأمريكي رسالةً إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يحثّون فيها الولايات المتحدة على الاعتراف علنًا ببرنامج إسرائيل النووي. وقاد النائب خواكين كاسترو هذه الرسالة، واصفين سياسة الصمت التي تنتهجها واشنطن منذ زمن طويل بأنها غير مبررة في خضم الحرب مع إيران، وتساءلوا عمّا إذا كانت إسرائيل قد أوضحت أي “خطوط حمراء” لاستخدام الأسلحة النووية. وطرح كاسترو سؤالًا تكمن قوته في بساطته: تناقش الولايات المتحدة علنًا البرامج النووية لبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان وروسيا وكوريا الشمالية والصين. فلماذا يُعامل البرنامج الإسرائيلي بشكل مختلف؟
ويذكر أن رئيس الوزراءالإسرائيلي ليفي إشكول وضع الصيغة الأساسية للموقف النووي الإسرائيلي عام ١٩٦٦بقوله: “إسرائيل لا تملك أسلحة نووية ولن تكون أول من يُدخل مثل هذه الأسلحة إلى الشرق الأوسط”. وكان مضمونها الضمني واضحًا دائمًا: لن تكون إسرائيل الثانية أيضًا. وفي هذه المساحة الفاصلة بين الردع والإعلان، تبلورت سياسة “الغموض” أو “التعتيم” بالعبرية. إذ يُمكن لإسرائيل أن تمتلك القدرة، وتعتمد عليها، وتُصرّ في الوقت نفسه على أنها لم “تُدخل” أسلحة نووية، طالما أنها لم تُعلن عنها، أو تُجرّبها، أو تُلوّح بها علنًا.
كانت هذه الرسالة أمرًا لا يُتصوّر قبل عقد من الزمن. ووصفها أفنير كوهين، المؤرخ البارز لبرنامج إسرائيل النووي، بأنها خروج عن محظور دام نصف قرن في السياسة الأمريكية.
وقد أعادت الحرب الخليجية الخامسة التساؤلات حول غض المجتمع الدولي النظر عن حقيقة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، وحيث ترفع دول المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية على الدوام المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، بما يسحب المبرر أمام إيران للمضي قدمًا في برنامجها النووي المثير للجدل.






