“شكراً لأنكم التفتّوا لنا”.. بهذه العبارة البسيطة في مبناها، الثقيلة في معناها، اختتم ضيف شاب لقاءه الأدبي مؤخراً. لم يكن امتنانه مجرد تعبير لحظي، بل صرخة عتب مغلفة بالشكر، تختزل بمرارة واقع جيل كامل من المواهب الصاعدة المعزولة عن تشجيع الجيل المخضرم.
بدأت الحكاية حين قررنا تنظيم أمسية ثقافية لاستضافة هذا الشاب الموهوب، الذي تحقق أعماله مشاهدات مليونية في الفضاء الرقمي، مما يدل على بصمة ثقافية حاضرة وقبول مجتمعي جارف. ورغم هذا الصدى الواسع، كانت ردود الفعل الأولية تجاه الدعوات مخيبة للآمال؛ قوبل الاسم الجديد بالاستنكار، وتوالت الاعتذارات عن الحضور من منطلق أن الاسم غير معروف لهم.
المفاجأة الكبرى حدثت خلف المنصة؛ فبمجرد أن بدأ الضيف بالكلام، انهمر سيل من العمق الثقافي والمعرفي الذي لا يخطئه وعي الحاضرين. تكلّم باسترسال ملفت جداً، وبأفكار رصينة ناضجة فاجأت الحاضرين، وأثبتت أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بـ “العمر الثقافي”، بل بالأثر والوعي المتدفق.
هذا الموقف يفتح الباب على سؤال أعمق: هل يتوقف الأدب والثقافة عند خط زمني محدد؟ وهل تكون الثقافة حكراً على جيل بذاته؟ المتأمل في مشهد الأمسيات والملتقيات الثقافية يلحظ فجوة سحيقة بين أصوات شابة تمتلك أدواتها، وبين جيل مخضرم يصر على إغلاق الأبواب، ويبدي ممانعة واضحة في الاعتراف بالدماء الجديدة، إلا إن كان الموهوب ابناً لمعارفهم أو أصدقائهم ليتحول “التوريث الثقافي” إلى تأشيرة المرور السريعة.
ما ذكر هنا لا يعني فرض متابعة الأعمال الأدبية الحديثة سواء قصة أو رواية أو أعمال سينمائية؛ فالطبيعي أن يتميز كل شخص بذوق أدبي وينتقي ما تحب نفسه أن تقرأ، لكن عدم احتضان هذه المواهب هو ما يخلق علامة الاستفهام، وحيث أن الفضول طبيعة بشرية؛ لماذا اختفى هذا الفضول عند الرغبة في اكتشاف ما تقدمه المواهب الشابة؟
إن المشهد اليوم يثبت هذا التوجه النخبوي الضيق؛ لكن الثقافة نهر متجدد. وإن استمر المشهد في استحضار الوجوه ذاتها، فإنه يحكم على نفسه بالركود، وسيجد نفسه معزولاً عن جيل يصنع ثقافته بنفسه.
