في كل مدرسة اليوم أزمة صامتة لا تُناقش في الاجتماعات، ولا تُرصد في الزيارات، لكنها تنخر في جسد الجودة من الداخل. إنها أزمة “عدم الوعي بآلية العمل على قياس الأثر وتحليل النتائج”.
والمؤلم أن الجهل لا يعم المديرين فحسب إلا من رحم ربي، بل امتد حتى إلى المرشدين الطلابيين أنفسهم، ووصل -مع الأسف- إلى بعض مشرفي القيادات المدرسية. فتحولت المدرسة إلى ورشة عمل كبيرة، نعمل فيها بجد، لكننا لا نعرف هل ما نعمله يصنع فرقاً أم لا.
أولاً: تشخيص “الأمية التحليلية” في الميدان
عند المدير:
يعتقد كثير من المديرين أن “قياس الأثر” يعني كتابة عبارة “تم تنفيذ البرنامج بنجاح” في تقرير الإنجاز. لا يملك أدوات لسؤال فريقه: ما نسبة التغير القبلي والبعدي؟ ما الدليل الرقمي؟ ما العائد على نواتج التعلم؟ فتُتخذ قرارات العام القادم بناءً على “الانطباع” و”الصوت الأعلى”، لا على “البيانات”.
عند المرشد الطلابي:
وهنا الطامة الكبرى. لا يكتب المرشد الطلابي أي تحليلات شاملة للمواقف تماماً. دوره انحصر في: يجمع الاستبانات، يسجل الحالات، يوجه الطالب، يضع الأوراق في ملف. بلا أي حصر شامل، بلا تقرير مثبت، بلا ربط بين الظواهر. وخصوصاً إذا لم يُفرّغ لذلك، فهو أول ضحية “للأعمال التشغيلية” التي تسحق “العقل التحليلي”. فتحول من خبير سلوك إلى كاتب ضبط.
عند مشرف القيادات:
المشرف يزور المدرسة، يطلب ملف البرامج، يعده، يوقعه، ويكتب “جهود متميزة”. لكنه لا يسأل السؤال القاتل: “أين تقرير قياس أثر برنامج خفض الغياب؟ أعطني المنحنى خلال 3 سنوات”. لأنه هو نفسه لم يُدرّب على أن “المتابعة = تحليل بيانات” وليست “عد أوراق”. فأصبحنا جميعاً شركاء في جريمة “الروتين التطويري”.
ثانياً: لماذا هذا الجهل خطير؟ لأنه يحولنا إلى “مدارس عمياء”
عندما يغيب الوعي بآلية قياس الأثر، ندخل في نفق مظلم:
نهدر الموارد: نكرر برنامجاً فاشلاً 5 سنوات لأن لا أحد حلل نتائجه وأعلن فشله بالأرقام. ننفق ميزانيات ونستهلك طاقات على “وهم التحسين”.
نظلم الطلاب: نعالج “ضعف التحصيل” بدروس تقوية، بينما التحليل كان سيكشف أن السبب “تنمر” أو “تفكك أسري”. فنحن نعطي الدواء الخطأ للمرض الخطأ.
نخدع أنفسنا بالتقويم: ملفاتنا “متميزة”، وزيارات المشرفين “ممتازة”، لكن مخرجات التعلم الحقيقية في الحضيض. لأننا نقيس “الجهد” لا “الأثر”. نقيس “عدد الأوراق” لا “حجم التغيير في الإنسان”.
نقتل الإبداع: المعلم المبدع الذي أحدث أثراً لا يملك دليلاً رقمياً يثبته، فيتساوى مع من يعمل بالحد الأدنى. فلماذا يتعب؟
ثالثاً: ما هو “قياس الأثر” الذي نجهله؟
قياس الأثر ليس تقريراً. هو “عقلية” و”منهجية” تقوم على 4 أسئلة قبل أي عمل:
ماذا سنقيس؟ نحدد المؤشر بدقة. ليس “تحسين السلوك”، بل “خفض حالات التأخر الصباحي من 15 حالة يومياً إلى 5 حالات”.
كيف سنقيس؟ ما الأداة؟ هل هي سجل الغياب من نور؟ استبانة مقننة؟ رصد ملاحظة؟ وما هو “خط الأساس” الذي سنقارن به؟
من المسؤول عن القياس؟ المرشد ليس “جامع بيانات” فقط. هو “رئيس محللين”. يحلل، ويكتب التقرير المثبت، ويرفع التوصية.
ماذا بعد القياس؟ هذا هو الأهم. النتيجة تُعرض في مجلس المدرسة، وتُبنى عليها الخطة القادمة. التوصية الملزمة تُنفذ وتُتابع. وإلا فكل ما سبق عبث.
بدون هذه الحلقة، كل ما نفعله هو “نشاط مدرسي” لا “عمل تطويري”.
رابعاً: كيف نخرج من “أمية الأثر”؟ وصفة إنقاذ عاجلة
اعتراف رسمي بالمشكلة: على الوزارة أن تعلن أن “ضعف ثقافة قياس الأثر” هو التحدي الأول للجودة. وأن تدريب المديرين والمرشدين والمشرفين على “تحليل البيانات” أولى من التدريب على “بناء المبادرات”.
فرض “تقرير الأثر” كوثيقة أساسية: لا يُقبل أي برنامج في ملف الإنجاز دون إرفاق “تقرير قياس أثر” من صفحة واحدة يوضح: الوضع قبل، الإجراء، الوضع بعد، الدليل، التوصية. ما لا يُقاس، لا يُعتمد.
تفريغ “عقل المدرسة”: تفريغ المرشد الطلابي يوماً أسبوعياً بقرار وزاري اسمه “يوم التحليل والقياس”. وحمايته من التكليفات الهامشية. ففاقد الشيء لا يعطيه. لا نطلب تحليلاً ممن نغرقه في الإشراف والمناوبة.
محاسبة المشرف قبل المدير: يُسأل مشرف القيادة: “أين تحليلك لأثر خطة المدرسة؟” قبل أن يسأل المدير. فإذا كان رأس الهرم لا يملك الأداة، فكيف نلوم القاعدة؟
نشر “نماذج نجاح”: إبراز مدارس تحولت من “التنظير” إلى “التطوير” لأنها امتلكت مرشداً محللاً ومديراً يسمع للبيانات. حتى يعرف الميدان أن الطريق ممكن.
الخاتمة: لن نعبر بالنية الطيبة وحدها
إن مدارسنا اليوم تعمل بجد، وتتعب، وتضحي. لكنها -للأسف- كمن يحفر بئراً في كل وادٍ، دون أن يملك خريطة تدله على الماء. “قياس الأثر وتحليل النتائج” هو خريطتنا.
استمرار “عدم الوعي” بهذه الآلية عند المدير والمرشد والمشرف، يعني أننا سنبقى ندور في فلك “الروتين التطويري”. نبدع في التوثيق، ونفشل في التأثير. نُرضي الزائر، ونخذل الطالب.
الجودة ليست شعاراً. الجودة هي أن تملك الجرأة لتقول بالأرقام: “هذا نجح، وهذا فشل، وهذا هو السبب، وهذا هو الحل”.
ولن نصل إلى مدرسة متطورة تقف على رفع نتائجها الميدانية المطلوبة، حتى نؤمن أن “البيانات” هي لغة التطوير، وأن “المرشد المحلل” هو ترجمان هذه اللغة.
فشكراً لكل قائد ميدان كسر حاجز الجهل، وقال: “أروني الدليل”… فهو وحده القوي الأمين





