
لا يختلف اثنان على أن رؤية المملكة 2030 قامت على ركيزتين أساسيتين: الكفاءة والعدالة. وفي قطاع التعليم، تُعد “القيادة المدرسية” حجر الزاوية لتحقيق مستهدفات الرؤية. لكن ماذا لو اصطدمت هذه الكفاءة بجدار “التعصب القبلي” و “الشللية المقيتة” في بعض البيئات المغلقة؟ هنا يتحول “تقييم الأداء” من أداة تطوير إلى أداة إقصاء، ويصبح “مشرف الدعم” في بعض الحالات عبئاً بدل أن يكون سنداً.
أولاً: ملامح الخلل في البيئات المغلقة
في التعيين: لا يزال اختيار بعض القيادات المدرسية في مناطق معينة يخضع لمعيار “الانتماء” قبل “الكفاءة”. فيتم تدوير المناصب داخل دائرة اجتماعية ضيقة، وتُقصى الكفاءات التي لا تنتمي للبيئة، في مخالفة صريحة لمبدأ تكافؤ الفرص الذي كفله النظام.
في التقييم: ينسحب التعصب إلى تقييم الأداء الوظيفي، فيصبح المعيار الخفي هو “المكانة في القلوب” بدلاً من “الشواهد والأدلة” التي نصت عليها المادة 36/5 من لائحة تقويم الأداء. والنتيجة: قائد مبدع يُخفض تقييمه لأنه “غريب”، وآخر يُرفع لأنه “من الجماعة”.
في الإشراف: تكمن المعضلة الكبرى عندما يكون “مشرف الدعم” نفسه جزءاً من نسيج البيئة المتعصبة. فبدلاً من دوره المقوّم والمحايد، قد يتحول – في حالات فردية – إلى طرف في معادلة “التكاتف ضد الغريب”، ويتم استخدام “التقارير غير المعلنة” و “الملحوظات المخفية” كأدوات ضغط تفتقر للشفافية.
ثانياً: ماذا يقول النظام؟ وماذا يجب أن يكون؟
النظام واضح، والتطبيق هو المحك. ولضمان العدالة نقترح تفعيل 3 مبادئ حوكمة:
مبدأ “الحياد الجغرافي” في الإشراف والتقييم
إن وجود “تضارب مصالح” حقيقي عندما يكون المُقيِّم والمُقيَّم من نفس البيئة الاجتماعية المغلقة. والحل: أن يكون مشرف الدعم المكلف بتقييم القائد المدرسي من خارج النطاق الجغرافي للمدرسة، لضمان الموضوعية. وفي حالات التظلم، تُشكّل لجنة تقييم ثلاثية من خارج المنطقة لضمان الحياد.
مبدأ “حوكمة الدليل” في وضع الدرجات
تنص اللائحة على أن التقييم يُبنى على الشواهد. لذا يجب تجريم أي تقييم يُبنى على انطباعات شخصية أو تقارير سرية لم يطلع عليها صاحب الشأن. ومن حق القائد المدرسي نظاماً الاطلاع على كامل أوراق تقييمه والرد عليها كتابياً قبل اعتمادها. إخفاء أي مستند مؤثر يُعد إخلالاً جسيماً بالأمانة الوظيفية.
مبدأ “المسار الآمن للتظلم”
القائد المدرسي القادم من خارج البيئة المتعصبة يجب أن تُكفل له قناة تظلم آمنة ومحايدة. فلا يُعقل أن يتظلم المتضرر من الشللية إلى أحد أركانها. لذا، يجب أن يُرفع تظلمه مباشرةً إلى مستوى أعلى محايد في الوزارة، مع مقارنة إنجازاته الموثقة بمتوسط إنجازات المنطقة. الأرقام لا تكذب ولا تتعصب.
ثالثاً: رسالة إلى أصحاب القرار
إن استمرار هذه الممارسات الفردية هو هدر صريح للكفاءات الوطنية، وطعنة في خاصرة رؤية 2030. القائد المدرسي الكفء هو ثروة للوطن، سواء كان من أبناء المنطقة أو من خارجها. وحمايته من التعصب هو حماية لمستقبل أبنائنا.
إن “الوطن للجميع” ليس شعاراً، بل هو سياسة يجب أن تتجسد في أروقة مدارسنا. فمعيار المفاضلة الوحيد يجب أن يكون: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”… وفي ميدان التعليم: “إن أكرمكم أكفأكم”.





