المقالات

من النشر إلى الأثر: مستقبل البحث العلمي في عصر الاقتصاد المعرفي

لم يعد البحث العلمي في العصر الحديث مجرد نشاط أكاديمي داخل الجامعات أو المراكز البحثية، بل أصبح أحد أهم ركائز قوة الدول وتقدمها الاقتصادي والتقني والمعرفي. فالدول المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه اليوم بوفرة الموارد فقط، وإنما لأنها أدركت مبكراً أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من دعم المعرفة وتمكين الباحثين وتحويل مخرجات البحث إلى حلول تسهم في بناء الاقتصاد وصناعة المستقبل. وفي المقابل، ما تزال العديد من الدول النامية تواجه تحديات في منظومة البحث العلمي، من أبرزها محدودية التمويل وضعف التنسيق بين الجهات المعنية وقلة الاستفادة من نتائج الدراسات في السياسات والمشروعات التنموية. كما أن عدداً من الأبحاث يتوقف عند حدود النشر الأكاديمي دون أن يتحول إلى تطبيق عملي، في حين تتعثر أبحاث أخرى بسبب انتقال الباحث أو ضعف الدعم أو غياب الجهة التي تتبنى استكمالها، مما يؤدي إلى فقدان جزء مهم من الجهود العلمية والمعرفية.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن تطوير البحث العلمي لا يعتمد فقط على زيادة الإنتاج البحثي، بل على بناء منظومة متكاملة تربط الجامعات والقطاع الحكومي والقطاع الخاص ومراكز الابتكار. ففي عدد من الدول المتقدمة تم إنشاء منصات وطنية موحدة للأبحاث، بهدف حفظ المعرفة البحثية وتقليل تكرار الدراسات وتمكين الباحثين من البناء على ما سبق. كما أنشئت مراكز متخصصة لاستكمال الأبحاث ذات القيمة العلمية أو التنموية التي تتعثر لأي سبب، باعتبار أن البحث العلمي عملية تراكمية لا تتوقف عند حدود الأفراد. كما برزت تجارب ناجحة في ربط البحث العلمي مباشرة باحتياجات التنمية وسوق العمل، من خلال إشراك الجهات الحكومية والقطاع الخاص منذ المراحل الأولى للبحث، إضافة إلى توفير صناديق تمويل مرنة تدعم الأبحاث الناشئة والتطبيقية، خاصة للباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا. وإلى جانب ذلك، ساهمت الحاضنات والمسرعات البحثية في تحويل الأفكار العلمية إلى ابتكارات ومنتجات ذات أثر اقتصادي، فيما تم تخصيص فرق مساندة لإدارة المشاريع البحثية ومساعدة الباحثين في الجوانب الإدارية والنشر العلمي والتواصل مع الجهات المستفيدة، بما يتيح للباحث التفرغ للإنتاج العلمي.

وفي إطار تعزيز التكامل العالمي، أولت العديد من الدول اهتماماً بالشراكات الدولية والتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية، بهدف نقل الخبرات وبناء القدرات ورفع جودة البحث العلمي، بما يعزز مكانة تلك الدول في منظومة الابتكار العالمية. وفي المملكة العربية السعودية، شهد البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي ركزت على بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والتقنية. وقد أسهمت جهات وطنية عدة في هذا التوجه، من أبرزها وزارة التعليم، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، إضافة إلى الجامعات السعودية التي توسعت في المراكز البحثية وحاضنات الابتكار. ورغم هذا التقدم، لا يزال هناك مجال لتعزيز التكامل بين الجهات المختلفة، وبناء منظومة أكثر استدامة تحفظ الجهود البحثية وتدعم استمرارية المشاريع وتربط نتائج البحث باحتياجات المجتمع والتنمية، بما يرفع كفاءة الاستثمار في المعرفة ويزيد من أثرها.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرة “النظام الوطني لاستمرارية وحفظ المعرفة البحثية”؛ التي أشار إليها الزميل الدكتور محمد الأنصاري والتي قدمها لإحدى الجهات المعنية بالبحث والابتكار بالمملكة، وتهدف إلى إنشاء منصة وطنية ذكية لحفظ واستمرارية الأبحاث غير المكتملة أو غير الممولة، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنظيم المعرفة البحثية وربطها بالباحثين والجهات ذات العلاقة، بما يقلل الهدر العلمي ويعزز استثمار الجهود البحثية. كما تتكامل هذه المبادرة مع توجهات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وتنسجم مع مستهدفات رؤية 2030 في دعم الاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي. وفي الختام، يبقى الأمل كبيراً بأن تحظى هذه المبادرة وما يماثلها من أفكار تطويرية بالدعم والاهتمام، لما يمكن أن تمثله من نقلة نوعية في منظومة البحث العلمي، تسهم في تحويل المعرفة إلى قيمة وطنية مستدامة تعزز التنمية وتدعم مستقبل الابتكار في المملكة.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى