المقالات

أعباء التحرر من الأسبق

لو روجع التراث الإنساني الهائل في الغرب وفي الشرق .. في الشمال وفي الجنوب … في الماضي وفي الحاضر لتبيَّن أن القسم الأكبر من تراث كل الأمم هو دفاعٌ عما نشأوا عليه وتطبعوا به أو إبرازٌ لقيمته وتأكيدٌ لمزاياه ودعوة المخالفين له للكف عن المخالفة والتحول إليه ….
حين نقول بأن العقل يكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه وحين نؤكد بأن السوابق عوائق فإن هذا يُعَبِّر عن معضلة بشرية عامة عميقة لم ينج منها أحد باستثناء أفراد ينعتقون من هذا الأسر فتتطور بهم الحضارة ….
إن مصيدة الأسبق لا تفلت أحدًا إن الأسبق يتحكم بالأفراد والجماعات والأمم وبالإنسانية كلها فهي تتحكم بالمجموعات كأنساق ثقافية متوارثة كما تتحكم بالأفراد ….
لذلك فإن كل التطورات في العلوم وفي الفنون وفي الأعمال وفي التقنيات وفي الحضارة قد تحققت بواسطة قلة من الأفراد الخارقين الذين كسروا حواجز الأسبق أو أفلتوا من أطواقه فأبدعوا وأضافوا ……
الأصل في الإنسان أنه يفكر بالعقل الذي كوَّنه الأسبق وبسبب ذلك فإن العقل لا ينتبه لنقائص ما تبرمج به لذلك فإن أغلب الناس مهما بلغوا من الذكاء ورفيع التعليم وسعة الاطلاع يبقون مقتنعين بما ورثوه ومطمئنين بما تبرمجوا به فيبقون غافلين عن القضايا والمسائل التي تستوجب التوقف والمساءلة إن الاستشكال لا علاقة له بالذكاء فقد يكون الشخص شديد الذكاء بل قد يكون عبقريا ومع ذلك يبقى عقله غافلا عن البلايا التي يكون قد تبرمج بها ….
الغالب أن محتويات ذهن الفرد تبقى في منآى عن المساءلة لأنه لم يضعها موضع البحث والتمحيص فالشخص الذي لا يضع محتويات ذهنه موضع المراجعة والتحقق لن ينتبه لما فيها من بلاوي حتى لو كان عبقريا فليس من طبيعة الكثير من العقول أن تنتبه للمواضع الإشكالية في الأنساق الثقافية التي نشأوا عليها وتطبعوا بها فيواصلون الحياة من دون أن تخطر على بالهم التساؤلات التي تؤرق آخرين إن قلة من الأفراد هم الذين ينتبهون لطبيعة المصيدة والقسم الأكبر من هذه القلة يتغلب الأسبق فينبري الشخص لإقناع نفسه فيدافع عما تطبع به ويبحث في كل المجالات ليجد ما يعزز موقفه وينهي تساؤلاته فيتعايش مع ما تطبع به فالأسبق قد يكون عبئًا ثقيلا يتطلب التبرير ….
وحين يقرأ الباحث بعض الكتب الدفاعية في مختلف الأمم قد يحس بأن المؤلف كان يريد إقناعه نفسه أكثر مما يريد إقناع الآخرين …..
إن أعباء الأسبق ثقيلة وقاسية ومستحكمة ومن هنا نرى أن القسم الأكبر من التراث العالمي هو تبرير له ودفاع عنه ودعوة إليه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى