إن المتابع للتاريخ الحديث والمعاصر سوف يتبين له أن أوضاع المجتمعات تتغير نحو الازدهار بوجود رؤية رسمية عامة تحدد اتجاه حركة المجتمع وتُنظم جهوده وتمنع تبديد الطاقة وتحول دون هدر الامكانات، وتوقف الأخطاء الكبرى ….
ففي بداية العصر الحديث عندما فوجئ العالم بوثبة المجتمعات الأوروبية أصيبت الأمم بالارتباك وتعرضت للاجتياح والاذلال ولكنها حين تعرفت على أسباب الوثبة الأوروبية زال الغموض وانتقض السحر فالأوروبيون لا يختلفون عن بقية الأمم إلا بأن مجموعة من الظروف تضافرت وتفاعلت صدفةً قد أحدثت تحولات بنيوية في نوع الاهتمامات وفي التوجه العام وفي تنظيم الجهد وفي تركيز الطاقة إنها في البدايات المؤثرة كانت تغيرات تلقائية عملية محضة فالتحولات جاءت استجابة للأحداث ثم جاء العلم ليكون فاعلا في المجالات الدقيقة لكن الطفرة في البداية لم تكن علمية بل كانت تحولات عملية ….
بطرس الكبير الامبرطور الروسي أدرك بأن لطفرة أوروبا الغربية أسبابا يمكن التعرف عليها فقرر أن يذهب بنفسه لمواقع الإنتاج الأوروبية في جولة تنكرية ولم يكتف بذلك بل التحق بالعمل في مصانع السفن وفي غيرها من المصانع التي مكنت أوروبا من أن تكون القوة المهيمنة ….
وحين أعلن الهولندي ليفنهوك اكتشاف الأحياء الدقيقة أصر بطرس على أن يقابل هذا المكتشف وأن يتعرف على فكرة المجهر وأن يشاهد الأحياء الخفية العجيبة ….
وبعد أن تعرف بطرس الكبير خلال جولته التنكرية الطويلة على مختلف المصانع والمعامل عاد إلى روسيا وقرر أن يغير اتجاه حركة المجتمع وأن يحشد طاقته في اتجاه يحقق لروسيا أن تكون في المسار الذي يلحقها بأوروبا …..
أما النموذج الثاني فهو اليابان فقد كانت مغلقة الحدود وكانت تمنع الاتجار والتعامل مع العالم الخارجي باستثناء التجار الهولنديين فقررت أمريكا إرغام اليابان على الانفتاح فقد فوجئت اليابان عام 1853 بوصول قائد بحري يحمل رسالة بأن على اليابان أن تسمح للاتجار وهددت أمريكا بأن ذلك إن لم يتم سلما فلا مناص من الحرب إن هذه الهزة حركت اليابان وأيقظتها ففي عام 1868 تحرك الامبرطور موتسو هيتو وأعلن بداية التحول وسعى لإيجاد حكومة مستنيرة وبدأ التحول الجذري الفعلي وقد تم إنجاز التحول في سنوات معدودة بهرت كل العالم فخلال سنوات قليلة تمكنت اليابان من هزيمة الصين واحتلال بعض المناطق الصينية وبعد بضع سنوات تمكنت اليابان من إلحاق هزيمة مدوية بالجيش الروسي فظهر للعالم بأن بناء القدرات وتحقيق التحولات لا يحتاج الأزمان الطويلة التي استغرقها الازدهار في أوروبا وإنما هو يتطلب وجود عزيمة وتكوين رؤية وتحديد اتجاه حركة المجتمع وحشد الجهود وتركيز الطاقات فالمسعى نحو الازدهار لا يتطلب سوى اليقظة وتغيبر اتجاه الحركة ومتابعة الحث والتصحيح والتركيز …..
أدرك الزعيم الصيني دينغ شياو بنغ أن بلوغ الازدهار يمكن تحقيقه بسرعة؛ فالقرون التي استغرقها تحقيق الازدهار الأوروبي يمكن اختصاره بعقود فبعد موت ماو تسي تونغ قرر دينغ أن يقود الصين نحو الازدهار فلم يكابر بل راح يزور اليابان وسنغافورة وماليزيا وكل النمور الإيسيوية وخلال سنوات معدودة حققت الصين من الازدهار ما كانت أوروبا قد استغرقت قرونا لتحقيقه….
باكستان دولة حديثة النشأة وفقيرة ومتخلفة لكن صراعها مع الهند وكون الهند صارت دولة نووية فإن ذلك قد دفعها للاصرار على امتلاك السلاح النووي لقد وضعت هدفا وحددت الاتجاه وكثفت الجهد وركزت الطاقة فتمكنت أن تكون دولة نووية فأي مجتمع يضع لنفسه هدفا ويلتزم بما يقتضيه هذا الهدف فإنه ينال هدفه فالازدهار يقتضي رؤية شاملة يتحدد بها اتجاه حركة المجتمع مع الاحتشاد والتنظيم والتركيز والاندفاع ……
لدى الناس أوهام أن التعليم النظامي هو طريق الازدهار لكن بلدانا كثيرة زاخرة بالمتعلمين وتنفق كثيرا على التعليم ومع ذلك بقيت فقيرة ومتخلفة اقتصاديا وصناعيا وفي مختلف المجالات….
إن تجربة اليابان ثم تجربة النمور ثم التجربة الصينية كلها تؤكد أن الازدهار مشروط بوجود رؤية وسمية عامة تحدد اتجاه حركة المجتمع وتحدد الأهداف الطموحة التي على المجتمع أن يحققها بتحديد اتجاه حركته وحشد جهوده وتنظيم هذه الجهود وتركيز الطاقة والمراجعة المستمرة للتحقق من خطوات المسيرة وما تم إنجازه والتعرف على المعوقات والتقدم بالحلول …. …
إن تجارب الازدهار في العالم ونماذج الاخفاقات يجب أن تلهم الجميع لمتطلبات التحول وتحقيق الازدهار .
0






