المقالات

الجهد العكسي معضلة بشرية

الجهد العكسي ظاهرةٌ نفسية إنسانية تُنتِج على المستوى العالمي مشكلات لا حصر لها تُلِح لتذكُّر شيء فلا تستطيع وما أن تكف عن المحاولة حتى تتذكر
وقد اكتشف هذ الظاهرة عالم النفس الفرنسي إميل كوييه وعبر عنها بدقة الدكتور ريتشارد أوكونور حيث يقول:
((كلما حاولت الذات الواعية أن تسيطر على ما هو تلقائي؛ زاد شعورنا بالإعاقة))
إن اللاعب الماهر يكون رائعا حين يكون تلقائيا أما حين يُفْرِط في الانتباه ويستدعي مهارته قصدًا فإنه يرتبك وهذه مشكلة يعاني منها اللاعبون في كل العالم والبعض يضطر إلى الانسحاب لأنه يفقد لياقته التلقائية ….
حين يكون الشخص في جمع ويحصل شيء مضحك فيحاول منع الضحك فإن الضحك ينفجر بقوة رغما عنه وهذه لها تجليات مختلفة ويسميها العلماء متلازمة توريت ….
إن الإنسان يتوهم بأن كل شيء من تفكيره وسلوكه يخضع لإرادته أما الحقيقة فهي أن ما يعتبره الناس إرادة حرة هو في ٩٥ في المائة هو ردود فعل وانسيابٌ تلقائي مما تطبع به واعتاد عليه ….
الأصل أن الإنسان كائن تلقائي في تفكيره وسلوكه فإرادته تكون منسجمة مع تفاعله التلقائي مع ذاته ومع الواقع ولكن الإنسان يتوهم أنه يملك إرادة مطلقة على ذاته فيقع في مَصْيَدَة الجهد العكسي بجاهزيته الدائمة ….
وقد فتح هذا الاكتشاف المجال لفهم الكثير من المشكلات الإنسانية فالإنسان يعتاد أن يذهب لفراشه فينام لكنه حين يكون شديد الحرص على النوم فيستحثه قصدًا فإن النوم يهرب منه فلا يستطيع النوم حتى يكف عن استدعاء النوم فتتوقف فاعلية الجهد العكسي فينام ….
وقد انتبه علماء النفس بأن الكثير من الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب والعجز الجنسي سببها مصْيَدة الجهد العكسي فحين تهاجم الشخص فكرةٌ مزعحة ويحاول إطفاءها فإنها تزداد قوة طبقا لقانون الجهد العكسي ….
بعض الناس يعيش سليما معافى ثم تطرأ له فكرة فيشك في انتظام دقات قلبه فيصاب بالكرب لأن انتظام دقات القلب تلقائية وليست خاضعة للتدخل الإرادي ….
حين تخرج في نزهة فإن الشعور بالراحة والسعادة يأتي تلقائيا أما الشخص الذي يستحضر الرغبة في الانبساط ويستدعي السرور قصدًا فإنه بالعكس يتوتر ولا يحقق الراحة التي يبحث عنها …
وعلى المستوى العالمي يعاني ملايين الأصحاء من الفشل في الممارسة الجنسية فيعاني الكثير من الرجال العجز عن تحقيق الانتصاب لأن هذا العمل تلقائي الاستجابة فإذا انتبه له فإنه ينطفئ وهذه معضلة إنسانية عامة يقول المبدع العالمي تولستوي:
((الرجل يتجاوز أهوال المرض وكل ألوان العذاب ولكن أوجع المآسي التي عرفها على الإطلاق كانت دائما وستكون دائما مأساة الفراش))
المشي هو حركة تلقائية لكن بعض الناس حين يدخل إلى محفل أو جمْعٍ من الناس فإن مشيته ترتبك ويكاد يسقط وذلك بفاعلية الجهد المعكوس فالمشي يتطلب التلقائية وحين يحصل التدخل القصدي يربكه …..
الجهد المعكوس مشكلة بشرية عامة تنتج عن إرباك طبيعة الإنسان التلقائية وقد تناولها بالشرح كثير من علماء النفس مثل عالم النفس الشهير فيكتور فرانكل في كتابه (البحث عن المعنى)
وهكذا على الإنسان أن يتعرف على طبيعته وأن يتعامل معها بما تقتضيه فإن جهل طبيعته فربما يعاني من مشكلات الجهد العكسي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى