
لم تكن الشهادات التي وردت من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا حول تجربة صحيفة مكة الإلكترونية مجرد رسائل تهنئة أو إشادات عابرة بمناسبة تكريم رئيس تحريرها الأستاذ عبدالله أحمد الزهراني بـ«درع التميز المكي 2026»، بل بدت وكأنها قراءات متكاملة لمشروع إعلامي تشكل عبر سنوات من العمل والتطوير، حتى أصبح حاضرًا في ذاكرة متابعين وكتّاب وأكاديميين من خارج المملكة.
واللافت أن هذه الشهادات الثلاث، رغم اختلاف أصحابها وخلفياتهم المهنية والفكرية، التقت عند صورة واحدة، لكنها تناولتها من زوايا مختلفة، لترسم في مجموعها ملامح مشروع إعلامي يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسة: قراءة المستقبل، وصناعة الأفكار، وخدمة الرسالة الوطنية والدينية عالميًا.
أمريكا.. القيادة التحريرية الاستشرافية
في شهادته التي كتبها من الولايات المتحدة الأمريكية، تناول الدكتور فيصل أحمد صالح الشميري تجربة صحيفة مكة الإلكترونية من زاوية مختلفة، عندما وصف عبدالله الزهراني بأنه يمتلك ما سماه «الحاسة السادسة»، في إشارة إلى قدرته على قراءة المؤشرات واستشراف النتائج قبل وقوعها.
ولم يكن حديث الشميري عن التنبؤ أو الحدس بقدر ما كان حديثًا عن منهج مهني قائم على قراءة الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فقد رأى أن الزهراني تحدث مبكرًا عن نجاح موسم حج 1447هـ استنادًا إلى معطيات واقعية ومتابعة دقيقة لمراحل التخطيط والتنفيذ، وهو ما دفعه إلى وصف تجربته بأنها نموذج لـ«القيادة التحريرية الاستشرافية».
ومن خلال هذه القراءة، لم تظهر صحيفة مكة كوسيلة إعلام تنتظر النتائج لتكتب عنها، بل كمؤسسة تتابع صناعة الحدث منذ بدايته، وتقرأ مؤشرات نجاحه قبل اكتماله.
لندن.. صناعة الأفكار وتحويلها إلى مشاريع
أما البروفيسور فايد محمد سعيد، الأمين العام للمجلس الأوروبي للهيئات والمراكز الإسلامية في لندن، فقد قدم زاوية أخرى أكثر ارتباطًا بالجانب الثقافي والفكري.
ففي شهادته لم يتحدث عن مؤسسة إعلامية أو تغطية صحفية، بل استعاد قصة شخصية بدأت بمكالمة مرئية من لندن، عندما اقترح عليه عبدالله الزهراني فكرة كتابة «يوميات لندن».
ويؤكد فايد أن الفكرة بدت في البداية عادية وعابرة، لكنه فوجئ لاحقًا بأنها تحولت إلى سلسلة مقالات، ثم إلى مشروع ثقافي، ثم إلى كتاب يوثق سنوات من التجربة والمعايشة.
وهنا تتجاوز الشهادة حدود الإشادة إلى تفسير إحدى السمات الجوهرية في تجربة الزهراني، وهي القدرة على رؤية الإمكانات الكامنة في الأفكار والأشخاص قبل أن يراها أصحابها أنفسهم.
فالصحيفة، وفق هذه الشهادة، لا تؤدي دور الناشر فقط، بل تمارس دورًا أعمق يتمثل في اكتشاف الأفكار ورعايتها وتحويلها إلى مشاريع قابلة للحياة والاستمرار.
فرنسا.. خدمة الرسالة إلى العالم
أما الشهادة الثالثة فجاءت من فرنسا، حيث كتب الشيخ نورالدين محمد طويل، إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس، عن تجربة صحيفة مكة الإلكترونية خلال موسم الحج.
وركز الشيخ نورالدين على الدور الذي تؤديه الصحيفة في نقل صورة الحج إلى المسلمين خارج المملكة، معتبرًا أن الإعلام شريك أساسي في منظومة خدمة ضيوف الرحمن.
وأشار إلى أن صحيفة مكة لم تكتف بنقل الأخبار، بل قدمت تغطية شاملة للتقارير والحوارات والتصريحات الرسمية والمحتوى التوعوي، الأمر الذي جعلها، في نظره، تؤدي رسالة إعلامية تقوم على الصدق والأمانة ونقل الصورة الحقيقية للجهود السعودية في خدمة الحجاج.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن متابع يعيش في أوروبا ويتابع المشهد من خارج المملكة، ما يجعلها تعبيرًا عن كيفية استقبال الرسالة الإعلامية السعودية لدى الجمهور المسلم في الخارج.
مشروع إعلامي بثلاثة أبعاد
وعند قراءة الشهادات الثلاث مجتمعة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا.
فالدكتور فيصل الشميري رأى في صحيفة مكة نموذجًا للقيادة التحريرية التي تقرأ المستقبل.
والبروفيسور فايد محمد سعيد رأى فيها مؤسسة تصنع الأفكار وتحوّلها إلى مشاريع ثقافية مؤثرة.
أما الشيخ نورالدين محمد طويل فرأى فيها منصة إعلامية تنقل الرسالة الوطنية والدينية إلى العالم بصدق وأمانة.
وهكذا تتكامل الشهادات الثلاث لتقدم وصفًا لمشروع إعلامي يتجاوز المفهوم التقليدي للصحيفة، ليصبح مشروعًا يقوم على الاستشراف، وصناعة المعرفة، وخدمة الرسالة.
ما وراء الشهادات
ولعل القيمة الأهم في هذه الشهادات أنها جاءت من ثلاث دول مختلفة، ومن شخصيات تنتمي إلى بيئات أكاديمية وفكرية ودعوية متنوعة، لكنها التقت جميعًا عند فكرة واحدة: أن صحيفة مكة الإلكترونية لم تعد تُقرأ كتجربة محلية مرتبطة بمدينة أو منطقة، بل بإعتبارها مشروعًا إعلاميًا سعوديًا استطاع أن يترك أثره خارج الحدود.
ومن هنا فإن أهمية هذه الشهادات لا تكمن في الإشادة بقدر ما تكمن في تفسير أسباب الحضور والتأثير، وتقديم قراءة موضوعية لتجربة إعلامية استطاعت أن تجمع بين قراءة المستقبل، وصناعة الأفكار، وحمل الرسالة إلى العالم.
وهي معادلة نادرة في العمل الإعلامي؛ لأن المؤسسات غالبًا ما تنجح في أحد هذه المسارات، بينما تكشف هذه الشهادات أن صحيفة مكة الإلكترونية نجحت في الجمع بينها ضمن مشروع واحد، الأمر الذي يفسر حضورها المتنامي ومكانتها المتزايدة في المشهد الإعلامي العربي والإسلامي.







