المقالات

الخليج وواشنطن: حين تتغير قواعد التحالفات والتحولات !

ليست التحولات الكبرى في السياسة الدولية تلك التي تعلن عن نفسها عبر الحروب أو البيانات الرسمية، بل تلك التي تنمو بصمت داخل عقول صناع القرار قبل أن تظهر على سطح الأحداث. وما تشهده العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي اليوم هو أحد هذه التحولات العميقة التي قد تعيد تشكيل معادلات المنطقة لعقود قادمة.

فالنقاش الدائر حول التطبيع، أو الملف النووي الإيراني، أو الترتيبات الأمنية في الخليج، لا يمثل جوهر الأزمة بقدر ما يمثل أعراضاً لعملية انتقال تاريخية أكبر. إنها عملية انتقال من نظام إقليمي تأسس على مفهوم الحماية الأمريكية إلى نظام جديد يبحث عن التوازن والشراكة وتعدد الخيارات.

طوال عقود مضت قامت العلاقة بين واشنطن والعواصم الخليجية على معادلة واضحة : الولايات المتحدة توفر المظلة الأمنية وتضمن استقرار البيئة الإستراتيجية، بينما توفر دول الخليج الإستقرار في أسواق الطاقة وتؤدي دوراً محورياً في الإقتصاد العالمي. كانت تلك معادلة نتجت عن ظروف الحرب الباردة ثم تعززت بعد انهيار الإتحاد السوفيتي عندما أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على النظام الدولي.

لكن النظام الدولي الذي أنتج تلك المعادلة بدأ يتغير.

فالقوة الأمريكية لم تعد قادرة على فرض إرادتها السياسية بالسهولة نفسها التي عرفها العالم خلال العقود الماضية، كما أن التحديات العالمية التي تواجه واشنطن أصبحت أكثر تعقيداً وتشعباً من أن تسمح لها بالتركيز على منطقة واحدة كما كان الحال سابقاً. وفي المقابل لم تعد دول الخليج العربي تنظر إلى نفسها باعتبارها دولاً تحتاج إلى الحماية بقدر ما تنظر إلى نفسها باعتبارها قوى إقليمية صاعدة تمتلك طموحات اقتصادية وسياسية واستراتيجية مستقلة.

ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من التباين الحالي بين الطرفين.

فالولايات المتحدة ما زالت تحاول أحياناً إدارة ملفات المنطقة بعقلية التحالفات التقليدية، حيث يُنظر إلى الحلفاء باعتبارهم جزءاً من مشروع استراتيجي تقوده واشنطن. بينما تنظر دول الخليج اليوم إلى القضايا الإقليمية من زاوية مختلفة تماماً، تقوم على حسابات المصلحة الوطنية أولاً، وعلى تقييم مستقل للمخاطر والفرص بعيداً عن الإصطفافات الجامدة.

ولهذا السبب لم يعد ممكناً التعامل مع ملفات حساسة مثل التطبيع مع إسرائيل أو المواجهة مع إيران باعتبارها مجرد قرارات يمكن دفعها عبر الضغوط السياسية أو الضمانات الأمنية. فهذه الملفات أصبحت مرتبطة برؤية أوسع لمستقبل المنطقة وبحسابات داخلية وإقليمية معقدة لا يمكن اختزالها في منطق المكافأة والعقاب.

إن جوهر التحول الخليجي يتمثل في ولادة مفهوم جديد يمكن وصفه بالإستقلال الإستراتيجي. فالدول الخليجية لم تعد تبحث عن استبدال شريك بآخر، ولا عن الإنتقال من المظلة الأمريكية إلى مظلة دولية مختلفة، بل عن توسيع هامش القرار الوطني وتقليل الإعتماد المطلق على أي قوة خارجية مهما كانت مكانتها.

ولهذا نشهد تنوعاً متزايداً في الشراكات الدولية، وتوجهاً متسارعاً نحو توطين الصناعات الدفاعية، واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا المتقدمة، وانفتاحاً متوازناً على القوى الصاعدة في آسيا والعالم. فالمعادلة الجديدة لا تقوم على اختيار طرف ضد طرف، وإنما على بناء شبكة واسعة من العلاقات تسمح لدول الخليج بالحفاظ على مصالحها في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.

وفي هذا السياق، لم تعد دول مجلس التعاون الخليجي كتلة سياسية تتحرك بالوتيرة نفسها أو تنظر إلى التحديات بالمنظور ذاته. لقد تطورت الخبرات الوطنية وتنوعت الأولويات وتباينت أدوات إدارة المخاطر. وهذا ليس مؤشراً على الإنقسام أو الضعف كما قد يعتقد البعض، بل هو انعكاس طبيعي لنضج سياسي واستراتيجي يزداد عمقاً مع مرور الوقت.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه واشنطن اليوم لا يتعلق بإيران أو التطبيع أو أسعار النفط، بل يتعلق بقدرتها على فهم هذا التحول البنيوي في طبيعة التفكير الخليجي. فالكثير من الأدوات السياسية التي نجحت في إدارة العلاقات خلال العقود الماضية أصبحت أقل فاعلية في بيئة إقليمية جديدة تنظر إلى العالم بمنطق مختلف.

وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في إعادة صياغة مفهوم التوازن الإقليمي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بثقلها الإقتصادي أو مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، بل بالدور السياسي والدبلوماسي الذي أخذ يتبلور خلال السنوات الأخيرة باعتباره مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد لإعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في النظام الدولي.

لقد أدركت الرياض أن التحولات الجارية في بنية النظام العالمي لا تمثل تهديداً فحسب، بل تفتح أيضاً نافذة تاريخية لإعادة تموضع المنطقة داخل معادلات القوة الدولية. ومن هنا جاءت سياسة الإنفتاح المتوازن على مختلف القوى الكبرى، والحفاظ في الوقت نفسه على الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، دون الوقوع في منطق المحاور أو الإصطفافات الحادة.

فالدبلوماسية السعودية لم تعد تتحرك وفق مفهوم ردود الأفعال، بل وفق رؤية تسعى إلى إدارة التوازنات وصناعة الهوامش السياسية التي تمنح المنطقة مساحة أوسع للحركة والإستقرار. ولهذا أصبحت الرياض حاضرة في ملفات التهدئة والحوار والتسويات الإقليمية، ليس بوصفها وسيطاً مؤقتاً، بل باعتبارها قوة تسعى إلى تأسيس بيئة سياسية جديدة تقلل من احتمالات الصدام وتزيد من فرص التنمية.

إن جوهر الرؤية السعودية لا يقوم على استبدال النفوذ الأمريكي بنفوذ آخر، ولا على بناء محور مضاد لمحور قائم، بل على تأسيس قطبية شرق أوسطية تمتلك القدرة على الإمساك بخيوط التوازنات الدولية دون أن تكون أسيرة لها. قطبية تستند إلى الثقل الإقتصادي والطاقة والموقع الجغرافي والإستقرار السياسي، لكنها تستند قبل ذلك كله إلى إدراك متزايد بأن المنطقة لم تعد مضطرة للعيش داخل معادلات صاغها الآخرون.

وإذا نجحت هذه المقاربة في ترسيخ نفسها، فإن الشرق الأوسط قد يشهد للمرة الأولى منذ عقود انتقالاً من موقع المتلقي لقرارات القوى الكبرى إلى موقع الشريك في صياغتها. وعندها لن يكون السؤال كيف تتعامل المنطقة مع التحولات الدولية، بل كيف ستتعامل القوى الدولية مع منطقة أصبحت تمتلك إرادة سياسية ورؤية استراتيجية وقدرة متزايدة على التأثير في اتجاهات النظام العالمي نفسه.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تراجع الشراكة الخليجية الأمريكية أو انهيارها يبقى مبالغاً فيه. فالمصالح التي تجمع الطرفين أعمق من أن تتأثر بخلاف سياسي أو أزمة مرحلية. الطاقة العالمية، وأمن الممرات البحرية، والتكنولوجيا المتقدمة، والإستثمارات المتبادلة، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، كلها ملفات تجعل استمرار العلاقة الإستراتيجية ضرورة للطرفين.

لكن ما يتغير اليوم ليس وجود العلاقة، بل طبيعتها.

إن عصر التبعية الأمنية يفسح المجال تدريجياً لعصر الشراكة المتوازنة. وعصر الإصطفافات الجامدة يفسح المجال لعصر المرونة الإستراتيجية. وعصر الإعتماد الأحادي يفسح المجال لعصر تنويع الخيارات.

ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين الخليج وواشنطن لن يتحدد بحجم القواعد العسكرية أو عدد صفقات السلاح، بل بقدرة الطرفين على إعادة تعريف مفهوم التحالف بما يتناسب مع حقائق القرن الحادي والعشرين.

فالقوة في عالم اليوم لم تعد تعني القدرة على فرض الإرادة فقط، بل القدرة على بناء الشراكات والحفاظ عليها. والإستقلال لم يعد يعني الإنعزال عن الآخرين، بل امتلاك حرية الحركة بينهم.

وبين هذين المفهومين يتشكل شرق أوسط جديد ، شرق أوسط لا تديره قوة واحدة، ولا تحدد مساره عاصمة واحدة، بل تصنعه توازنات أكثر تعقيداً وقوى أكثر نضجاً ومصالح أكثر تشابكاً.

فالتاريخ لا ينهي التحالفات الكبرى عادة، لكنه يعيد تشكيلها كلما تغيرت موازين القوة وتبدلت طبيعة المصالح. وما نشهده اليوم بين الخليج والولايات المتحدة ليس نهاية لشراكة عمرها عقود، بل بداية فصل جديد تُكتب قواعده بلغة مختلفة عنوانها الندية، ومضمونها المصالح، ومحركها التحولات العميقة التي تعيد رسم شكل النظام الإقليمي والدولي معاً.

وربما للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لا يقف الشرق الأوسط على هامش التحولات العالمية مترقباً نتائجها، بل يصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وعندما تمتلك المنطقة القدرة على التأثير في موازين القوى بدلاً من التأثر بها فقط، فإنها تنتقل من موقع الجغرافيا إلى موقع الجغرافيا السياسية ومن ساحة للتنافس الدولي إلى شريك في صناعة التوازن الدولي.

وهذا هو التحول الحقيقي الذي بدأت ملامحه بالظهور ، ليس تراجع نفوذ قوة وصعود أخرى، بل ولادة مرحلة جديدة تحاول فيها المنطقة، بقيادة قواها الصاعدة، أن تصبح رقماً مستقلاً في معادلة التوازنات الدولية .

د أحمد بن حسن الشهري
الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى