ليست البلاغة في كثرة الكلام، ولا الفصاحة في جزالة الألفاظ فحسب، وإنما يكمن رقيُّ اللغة في اختيار الكلمة المناسبة للمقام. ولذلك قال العرب: «لكلِّ مقامٍ مقال»، فالكلمة قد ترفع صاحبها، وقد تهدم ما بناه من المودة والاحترام.
ومن جميل ما يُروى أن العرب كانوا يختارون ألفاظهم بعناية؛ فيقال للمريض: «معافى» تفاؤلاً بالعافية، وللأعمى: «بصير» تلطفًا في الخطاب، وللأعور: «كريم العين»، وكل ذلك مراعاةً للمشاعر وحسنًا في التعبير.
ويُروى أن هارون الرشيد رأى في بيته حزمة خيزران، فسأل وزيره الفضل بن الربيع: «ما هذه؟» فقال: «عروق الرماح يا أمير المؤمنين»، ولم يقل: «الخيزران»، لأن اسم والدة الرشيد كان الخيزران، فتأدب في خطابه.
وسأل أحد الخلفاء ابنه: «ما جمع مسواك؟» فقال: «ضد محاسنك يا أمير المؤمنين»، وعدل عن لفظ «مساويك» تأدبًا مع أبيه.
وخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلًا، فرأى نارًا موقدة فقال: «يا أهل الضوء»، ولم يقل: «يا أهل النار»، تفاؤلًا وحسن اختيار.
ولما سُئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أأنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟» قال: «هو أكبر مني، وأنا وُلدت قبله». فجمع بين الصدق والأدب في أبلغ جواب.
لقد ضعفت في زماننا عناية كثير من الناس بانتقاء الألفاظ، حتى أصبح بعضهم يخلط بين الصراحة والفظاظة، ويحسب أن جرح المشاعر نوعٌ من الصدق، مع أن الكلمة الطيبة صدقة، والرفق ما كان في شيء إلا زانه.
إن اختيار اللفظ ليس تكلّفًا ولا نفاقًا، بل هو دليل على سمو الخلق ورقي الذوق. فالإنسان المهذب يعرف كيف يقول الحقيقة بأدب، ويوازن بين الصراحة والرحمة، وبين الوضوح واللطف.
ولعل أجمل ما نختم به أن الأسلوب الراقي ليس ضعفًا، بل قوةٌ ممزوجة بالحكمة؛ فمن ملك لسانه، وأحسن اختيار كلماته، ملك قلوب الناس قبل أسماعهم.

