كتاب الرأي

مِنْ “إنتاج الوهم” إلى إنتاج الأسئلة

غشيان المكتبات والتردد عليها بين حينٍ وآخر، واجتراح عوالمها المدهشة، يحمل معه أحيانًا مصادفات مدهشة، كأن تتعثّر بكتاب قديم ونادر، تعتقد أنّ غبار الإهمال والنسيان قد ابتلعاه، ثم تلتقي به مُجدّدًا، وكأنّ الزمان يعتذر عن غيابه.
وهذا ما حدث معي حين وجدتُ كتاب “إنتاج الوهم أو عباءة الثقافة” لكاتبه جاسر الجاسر، بعد عقود من صدور عقود من صدوره وغيابه عن التداول. والحقيقة أنني لم أشعر أنني عثرتُ على كتاب قديم، بقدر ما شعرت أني استعدتُ جزءً من ذاكرتي القرائية والثقافية خلال سنوات مضت، وفي بواكير قراءاتي التكوينية، وكذلك خامرني شعورُ بأنني أُصغي إلى صوت ظلَّ طويلًا في صمت الكتابة، حتى آن له أن يعود إلى الحوار.
حالتي مع هذا الكتاب جعلتني أستدعي فكرة جوهرية لكتاب آخر عنوانه “صمت الكتابة” لمؤلّفه إميليو ليدو، وتتلخّص في أن الكتابة ليست مواجهة للنسيان فحسب، بل مقاومة لتحول الحاضر إلى زمن بلا ذاكرة. فالثقافة التي تنقطع عن ماضيها لا تصنع مستقبلها، وإنما تعيد إنتاج لحظتها العابرة. وخطر عصرنا ليس في كثرة المعلومات، بل في سرعة عبورها، حتى يغدو الماضي مجرد هامش لا يُستدعى إلا عرضًا. ولذلك فثمة كتب لا تنتهي بانتهاء طبعاتها، بل تدخل فيما يمكن أن نسميه صمت الكتابة. لا تغيب لأنها فقدت قيمتها، وإنما لأنها تنتظر قارئًا جديدًا، وسؤالًا جديدًا، وزمنًا آخر يمنحها حياة ثانية. فالمكتبات لا تحفظ الورق وحده، بل تحفظ أيضًا أصواتًا يؤجلها الزمن حتى يحين موعد الإصغاء إليها.
وقيمة إعادة إصدار هذا الكتاب – من وجهة نظر شخصية- في إنه يفتح نافذة على مرحلة سعودية حيوية في سجالاتها الفكرية والأدبية، حين كان النقد الأدبي جزءًا من صناعة المشهد الثقافي، عبر المقالة النقدية القادرة على إثارة الأسئلة، وصناعة الحوار، وتحريك المياه الثقافية الراكدة.
الغريب أن الكتاب منذ إعلان إصداره من الناشر دار جداول-التي تبذل جهدًا لافتًا في إعادة نشر كتب قديمة أو كتب مرجعية مهمة كما فعلت مع مؤلفات الشيخ الرحالة محمد بن ناصر العبودي وسواه، لم يحظَ بقراءة أو قراءة أو عرض له، ويبدو أن ثمة حالة كسل نقدي، واسترخاء ثقافي يحول دون مقاربة الأعمال الجادة.
كتاب “إنتاج الوهم أو عباءة الثقافة” كما أعلنت الدار: كتاب ضمّ مقالات صحافية طالت بالنقد عددًا من الأدباء. وقدّم للكتاب بمقدمة تحفيزية وترحيبية د. عبدالله الغذامي والذي رأى أن جاسر الجاسر قدّم خطابًا نقديًا مختلفًا اتسم بالجرأة في كشف ما رآه عيوبًا في الخطاب الإبداعي والثقافي، مبتعدًا عن المجاملة أو الاكتفاء بتتبع الجماليات. ويشير إلى أن الجاسر امتلك حسًا نقديًا لافتًا وذكاءً في التقاط تفاصيل النصوص، وأن كتابته، رغم ما أثارته من غضب، جاءت ضمن تقاليد النقد الضروري. كما يصفه بأنه موهبة أدبية وثقافية واعدة، استطاعت أن تمنح النقد الصحفي مذاقًا مختلفًا، وأن تفتح أفقًا جديدًا في الخطاب النقدي.
وكما لفت الدكتور الغذامي في مقدمته للكتاب فإن لغة الجاسر لم تخلُ من حدّة، فلم يبدأ الجاسر كتابه بمحاكمة الأشخاص، بل بمحاولة تفسير الظاهرة. ففي فصله الافتتاحي قدّم قراءة للمشهد الثقافي السعودي، وعدّ الصحافة الحاضنة الأساسية للمثقف المحلي، ورأى أن غلبة الإنشائية، وضعف التخصص، واستعجال الحضور، وتضخم الادعاءات، كانت سمات أفرزتها طبيعة المرحلة أكثر مما كانت خصائص فردية. ومن هذا التصور النظري انطلق لاحقًا لمساءلة أسماء ثقافية بعينها، بوصفها نماذج تجسد تلك الظواهر، متناولًا تجاربها بقدر كبير من الصراحة والحدة ساردًا أحكامًا وآراءً مثيرة للجدل، وداعية للقراءة والفحص. وليس الغرض من المقال استعراض تلك القراءات أو مناقشة أحكامها، فهي من الاتساع ما تحتاج معه إلى دراسة مستقلة.
وبعد عقود، يعود الكتاب للتداول، لكنه عودة مختلفة، ففي وقت صدوره آنذاك هو من يضع المشهد الثقافي في دائرة المساءلة، أما اليوم فإن الكتاب نفسه يغدو موضوعًا للمساءلة وإعادة القراءة. ماذا بقي من تلك الأحكام؟ وما الذي تجاوزه الزمن منها؟ وما الذي ما زال محتفظًا براهنيّته؟ وهل نقرأه اليوم بوصفه مشروعًا نقديًا لا يزال قادرًا على محاورة حاضرنا؟، أم بوصفه وثيقة تؤرّخ لمرحلة ثقافية بكل ما فيها من حيوية وجدال؟ ثم أين يقف جاسر الجاسر نفسه من ذلك المشروع النقدي المبكر بعد أن اتّسعت تجربته في الإعلام والإدارة والتحليل السياسي؟
وكيف يمكن قراءة إعادة نشر الكتاب هل نعدّه فعلًا ثقافيًّا جديدًا، لا مجرد إعادة طباعة؟
ما أرجّحه، وأميل إليه أن جاسر الجاسر قدّم في هذا الكتاب ملامح مشروع نقدي مهم، امتلك الجرأة والقدرة على مساءلة السائد، غير أنه توقّف قبل أن يستفرغ كل جهده، وطاقته وحمولته المعرفية، فترك لنا هذا الكتاب شاهدًا على مشروع واعد، ووثّق لمرحلة ثقافية تستحق أن تُقرأ من جديد.

عبدالله الحسني

أديب.. وكاتب .. ومدير تحرير جريدة الرياض يابقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى