المقالات

من حلقة النقل إلى ميدان العقل: كسر جلباب التبعية الأكاديمية

تُبنى الصروح الأكاديمية في الأصل على ركائز النقد، والتمحيص، وحرية الاستنتاج، إلا أن الساحة المعرفية اليوم باتت تشهد ظاهرة مقلقة يمكن تسميتها بـ “التبعية الأكاديمية”. حيث يعتمد بعض الأكاديميين في طروحاتهم على صيغ التمريض والظن مثل “قال ويقال”، مسيرين خلف من سبقهم دون فحص أو مراجعة، وكأنهم تبعٌ مقيّدون. وهنا يبرز السؤال الجوهري والحتمي: هل يحق لهذا التابع أصلاً أن يُطلق عليه لقب “باحث” أو “مؤرخ”؟ إن الإجابة العلمية الصارمة هي (لا)؛ فالبحث استكشاف لا استنساخ، والتاريخ تحقيق لا تقليد.

إن هذا النقل الأعمى يتناسى قاعدة شرعية وأصولية راسخة صاغها العلماء بدقة، وهي: «ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال». فكيف يُبنى استدلال علمي أو يُوثّق تاريخ بناءً على مرويات حمالة لأوجه الاحتمال والشك؟ إن السابقين من العلماء والمؤرخين —على جلالة قدرهم وعطائهم— اجتهدوا ولم يُعصموا من الخطأ، والخطأ الفادح اليوم ليس في صدور الهفوة منهم، بل في استسلام هذا الناقل للنقل عنهم دون إعمال العقل والمنهج العلمي في التمحيص، ليفقد بذلك شرف اللقب الممنوح له.

وتتضاعف خطورة هذه التبعية وبدرجة شديدة خاصة عند الاختلاف في تحديد “المواقع التاريخية” وتحقيق مسمياتها وجغرافيتها؛ إذ إن إهمال الاستنتاج المستقل، وإغلاق العين عن الأدلة الميدانية والوثائق المحققة، يترتب عليه تشويه للحقائق وتزييف للوعي. هذا التساهل المعرفي ليس مجرد زلة حبر، بل هو جناية قد تظلم أمماً بأكملها، أو تطمس تاريخ مواقع جغرافية، أو تجحف بحق مجتمعات ورثَت تاريخاً عريقاً فجاء النقل الظني ليمحوه.

إن الأمانة العلمية والمسؤولية الوطنية والتاريخية تحتم على كل صاحب قلم وأستاذ أكاديمي أن يخرج من جلباب التقليد إلى فضاء التحقيق؛ فالعلم اكتشاف واستدلال، والبحث الحق هو ما قاده الدليل لا القيل والقال.. فالمؤرخ الحق يصنع الأثر، والتابع يمشي في إثره، فلا تكن تبعاً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى