في موقف إنساني نادر، جسّد أسمى معاني الصفح والعفو، وسطر صفحة مشرقة من مكارم الأخلاق التي تعلو على الجراح ، وتنتصر على نزعات الانتقام، وقف المواطن الشيخ يحيى بن قانص القحطاني موقفًا بطوليًا سيظل شاهدًا على عظمة النفس المؤمنة وقوة الإيمان بالله تعالى.
فبعد أن فقد فلذة كبده قتيلًا على يد شاب ينتظر حكم القصاص، لم يقف الشيخ يحيى عند حدود الألم الذي يعصف بقلب كل أبٍ فقد ابنه، بل تجاوز جراحه الخاصة إلى رحابة الرحمة والإنسانية ، وفي سابقة استثنائية قلّ أن تتكرر، شدّ رحاله بنفسه إلى أهل القاتل، وجلس أمام أمٍ أثقلتها الأحزان ، وأرهقتها الأوجاع ، بعد أن تخلى عنها كثيرون ، ووجدت نفسها وحيدة في مواجهة قسوة الظروف.
هناك، لم يكن حديث الشيخ يحيى حديث صاحب حقٍ يطالب به، بل حديث رجلٍ كبيرٍ في أخلاقه وإيمانه، استحضر معاني العفو التي حثّ عليها الدين الإسلامي، وأعلن أمام الأم المكلومة تنازله وعفوه عن قاتل ابنه، ابتغاء وجه الله تعالى ورجاءً لما عنده من الأجر والثواب.
لقد رأى في دموع تلك الأم ما أيقظ في قلبه مشاعر الرحمة، واستشعر حجم الألم الذي يعتصر فؤادها، فآثر أن ينتشلها من محنتها بدل أن يزيد جراحها عمقًا، مقدمًا درسًا خالدًا في التسامح والإحسان وقوة النفس عند المقدرة.
إن ما قام به الشيخ يحيى بن قانص القحطاني ليس مجرد عفوٍ عن قاتل، بل انتصار للقيم النبيلة على مشاعر الفقد، وتجسيد حيّ لقول الله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. وسيظل هذا الموقف الإنساني النبيل نموذجًا يُحتذى، وشاهدًا على أن العظماء هم أولئك الذين يملكون القدرة على تجاوز آلامهم من أجل إدخال الأمل إلى قلوب الآخرين ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
0


