المقالات

الأمهات العابرات وبناء جيل المستقبل

في زحمة انشغالنا بتحقيق النجاح المهني وتحسين مستوى المعيشة، يبرز سؤال جوهري قد يبدو بسيطًا لكنه يمسّ مستقبلنا بأكمله، وهو: من يربّي أبناءنا؟ وهل نبني بذلك جيلًا سعوديَّ الانتماء، عربيَّ اللسان، إسلاميَّ المعتقد، عالميَّ الطموح؟
كل مشاريع التنمية، مهما عظمت، تنتهي إلى الإنسان؛ فالطرق تُبنى ليسلكها الناس، والمدارس تُشيَّد ليتعلموا فيها، والمستشفيات تُقام لعلاجهم. وحين يغيب الإنسان عن مركز المعادلة، يتحول العمران إلى قشرة براقة تخفي فراغًا عميقًا. والإنسان لا يُصنع في المؤسسات الرسمية أولًا، بل في مؤسسة أقدم وأعمق أثرًا، إنها الأسرة؛ ففيها تتشكل شخصيته الأولى، وتُغرس قيمه، وتُبنى لغته، ويتكوّن شعوره بالأمان والانتماء. وقد أكدت دراسات عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل جيمس هيكمان أن الاستثمار في السنوات الأولى من عمر الطفل يحقق أعلى العوائد الاجتماعية والاقتصادية مقارنة بأي استثمار لاحق، فيما أثبتت أبحاث التعلق النفسي أن العلاقة المبكرة بين الطفل ومقدّم الرعاية الأساسي تترك آثارها على امتداد العمر.
لكن التحدي الذي يواجه كثيرًا من الأسر اليوم لا يكمن في ضيق الوقت، بل في ظاهرة أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، هي الاعتماد الواسع على العمالة المنزلية في رعاية الأطفال؛ إذ تُعدّ معدلات الاستعانة بها في دول الخليج من الأعلى عالميًا، حيث تقوم عاملات منزليات بأدوار تتجاوز الأعمال المنزلية إلى الرعاية المباشرة للأطفال لساعات طويلة يوميًا.
وليس وجود العاملة المنزلية هو المشكلة، فالحاجة إلى المساعدة أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ حين تنقلب الأدوار؛ فتتحول من مساعدة للأسرة إلى المرجع التربوي الأول للطفل، ومن عنصر مساند إلى الشخصية الأكثر حضورًا في يومه. هنا لا تعود القضية تنظيمًا منزليًا، بل تصبح قضية تكوين إنسان. ومن هذا المعنى جاء وصفهنّ بالأمهات العابرات؛ يقمن مقام الأم في الحضور والأثر، ثم يَعبُرن من حياة الطفل حين ينتهي العقد أو يحين الرحيل.
فالطفل يتعلم ممن يرافقه أكثر مما يتعلم ممن يوجّهه؛ لغته الأولى لا تأتي من المناهج، بل من الكلمات التي يسمعها يوميًا، وقيمه لا تُكتسب من المحاضرات، بل من السلوك الذي يراه أمامه. ولذلك ليس مستغربًا أن نسمع طفلًا سعوديَّ الأبوين يتحدث الإنجليزية باللهجة الفلبينية، وهو في الوقت نفسه لا يُتقن لغته العربية؛ لأن المصدر الأساسي للغة في سنواته الأولى لم يكن الأب أو الأم، بل العاملة المنزلية.
واللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء الثقافة والهوية، ومن خلالها تنتقل الأمثال والقيم والعادات والتقاليد. وعندما يضعف ارتباط الطفل بلغته الأم، يضعف معه جزء من ارتباطه ببيئته الثقافية ومجتمعه وهويته الوطنية.
أما الأثر الأعمق فيكمن في الجانب العاطفي والنفسي؛ فالطفل يتعلق بمن يطعمه ويواسيه ويشاركه تفاصيل يومه، وحين تكون هذه الشخصية هي العاملة المنزلية، تصبح محورًا عاطفيًا رئيسيًا في حياته. وقد بيّن رائدا نظرية التعلق، جون بولبي وماري أينسوورث، أن انقطاع العلاقة بمقدّم الرعاية الأساسي في الطفولة المبكرة قد يترك أثره في أنماط تعلّق الطفل، ومن ثَمّ في قدرته على بناء علاقات مستقرة مستقبلًا. فحين تغادر العاملة بعد سنوات قليلة، يتعرض الطفل لتجربة فقدٍ قد لا يدركها الكبار بما تستحقه من اهتمام، وتتكرر أحيانًا أكثر من مرة.
ولا تقتصر الآثار على الطفل وحده، بل تمتد إلى علاقته بوالديه؛ فحين يغيب الأبوان عن تفاصيل الحياة اليومية، تضعف مساحة تأثيرهما المباشر في بناء القيم والسلوك، ويصبح التوجيه لاحقًا أصعب، لأن السنوات التي تتشكل فيها الشخصية تكون قد مرت تحت تأثير غيرهما. وقد جاء في الحديث الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، والرعاية الأولى أمانة لا تُحمل بالنيابة.
وليست هذه القضية دعوة إلى إقصاء المرأة عن العمل أو التقليل من دورها المهني، بل دعوة لإعادة النظر في دورها المحوري في بناء شخصية الطفل، وإيجاد الأنظمة التي تضمن ذلك للوالدين معًا. فالمجتمعات الحديثة تحتاج إلى مشاركة المرأة والرجل في البناء، لكن التحدي الحقيقي هو التوازن بين الطموح المهني والمسؤولية الأسرية، بحيث لا يأتي نجاحنا في سوق العمل على حساب نجاحنا في بناء الجيل القادم. فالأسرة ليست عبئًا اجتماعيًا، بل استثمار استراتيجي طويل المدى، والوقت الذي يقضيه الأب والأم مع أطفالهما أحد أهم أشكال الاستثمار في رأس المال البشري، وما تنفقه المجتمعات لاحقًا لمعالجة مشكلات السلوك أو الاضطرابات النفسية أو ضعف الانتماء قد يكون أضعاف ما يحفظ حضور الأسرة منذ البداية.
إن أغلى ما نملك ليس العقارات ولا الحسابات البنكية ولا المناصب، بل هؤلاء الصغار الذين يتشكل مستقبلهم كل يوم أمام أعيننا. ومن العجيب أن نُحسن اختيار من يدير أموالنا ومشاريعنا، ثم نتساهل في اختيار من يتولى تشكيل عقولهم ووجدانهم وقيمهم في أحسّ مراحل حياتهم. فالأيدي العابرة قد تساعد في الرعاية، لكنها لا تمنح الطفل ما تمنحه الأسرة من هوية وانتماء وذاكرة وقيم وولاء؛ وهذه أمور لا تُشترى، ولا تُفوَّض، ولا يعوّضها أحد مهما بلغت كفاءته أو إخلاصه.
وحين نفكر في مستقبل أوطاننا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، فإن السؤال الأهم لن يكون: كم شيّدنا من المباني، بل: أيَّ إنسان صنعنا؟ لأن بناء الإنسان يبدأ من البيت، وأول لبنة فيه ليست الحجر، بل حضن أمٍّ، وحضور أبٍ، وأسرة تدرك أن أثمن ما تملك ليس ما تجمعه لأبنائها، بل ما تغرسه فيهم. ولي عودة إن شاء الله إلى ما يحمي هذا الحضور، من حلولٍ وأنظمةٍ تجعل التوازن بين العمل والأسرة حقًّا مكفولًا لا عبئًا فرديًا.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى