المقالات

تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ ..!

هذا شطر للشاعر بالتعبِ، والضيقِ مِن الحياة، ومن فيها، وعليها، “أَبو العَلاء المعرّيّ”، عُدّ من الحِكم، والأمثال في الشعر العربي، والبيت كاملاً:

“تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْجَبُ
إِلَّا مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ… “

يُبدي المعرّيّ رأيه في الحياةِ بأنّها تعبٌ مُستمرّ، ودار مشقّة، وبلاء، ولا راحة للإنسان فيها، ويتعجّبُ من ذاكَ المُتطلّع إلى المزيدِ فيها. كيف يطلبُ أن يطول عمره ليبقى فيها، وهي دار تعب وشقاء؟!.

قريب من هذا قول المولى عز وجل: ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) (البلد: 4)

وإذا تأمل الإنسان أحوال الناس (من قريب، أو بعيد) وجد أنّ الصحيح يشكو، والسقيم مكدّر، والغني مُبتلى، والفقير يكابد؛ لأنّ النقص من طبيعة الدُّنيا، والكمال لم يُخلق لها. فمن طلب منها دوام السرور خاب، ومن التمس فيها الراحة، والسعادة المطلقة أتعب نفسه، ومن عرف حقيقتها هانت عليه مصائبها، ومنغصّاتها، ولم يغترَّ ببريقها وزينتها إذا أقبلت.

وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى التشاؤم، والتطير، أو ازدراء، وانتقاص نِعم الله، – أعوذ بالله -، وإنما القصد أن يعرف الإنسان قدر الدنيا وحقيقتها؛ فيفرح بما يأتيه مِن خير دون أن يتعلّق به تعلّقًا يورثه الحسرة، ويصبر على ما ينزل بهِ مِن بلاءٍ، أو مكروه، وهو يؤمن، ويعلم أنّ الأيام لا تدوم على حال.

“وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ
وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ”

يُروى أن الخليفة الأموي “عبدالرحمن الناصر لدين الله”، والذي حكم “الأندلس” 50 عامًا (وما أدراكَ ما الأندلس)؟! كتب قبل وفاته:
” أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني، يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا”.
فعُدّت تلك الأيام فوُجدت 14 يومًا.

مِن أشهر ما يُستشهد به في بيان أنّ الدُّنيا لا تخلو من الهموم، والأكدار، وأنّ السعادة الكاملة ليست من متاعِ الدُّنيا، وطلب الراحة الدائمة فيها مستحيل، أبيات بليغة مِن قصيدةٍ بديعةٍ، لا تقتصر على حزنٍ شخصيّ، بل ترتقي إلى وجعٍ،
وتأمّل إنسانيّ عميق في إدراك، ومعرفة حقيقة الحياة، والموت، والفناء، وصبر المؤمن على المصائبِ، ورضاه بالقدر خيره وشرّه، لذلك ظلّت هذه القصيدة، وستظلّ ملاذًا للقلوب الموجوعة، ومخفّفةً من وطأة أوجاعها وأحزانها، للشاعر “أبي الحسن التهامي” في رثاء ابنه، والدُّنيا بُرمّتها:

طُبعت على كدرٍ وأنتَ تريدُها
صفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ

ومُكلِّفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
متطلِّبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ”

يقولُ أحمدُ بنُ حنبلَ، وقد قيل له: متى الراحةُ؟
قال: إذا وضعتَ قدمَك في الجنةِ ارتحتَ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى