المقالات

المنتخب السعودي .. وإغواء الأرقام _قراءة في المسافة بين المؤشر والإنجاز_

ثمّة في عالم الإدارة الحديثة إغواءٌ هادئٌ لا تكاد العين تلمحه: إغواء الرقم. حين يُكتب على الورق بدا كأنه حقيقةٌ ناجزة، وحين يُعرض في تقريرٍ ٍ بدا كأنه إنجازٌ تحقق. غير أنّ بين الرقم والحقيقة مسافةً قد تطول حتى تصير هوّة، ومن لا ينتبه لتلك الهوّة يظنّ نفسه قد بلغ الغاية، وهو لم يبرح موضعه.

ومن هنا نبدأ سؤالنا: هل تقول لنا مؤشرات الأداء الاستراتيجية الحقيقةَ كاملةً عن المنتخب السعودي؟ أم أنها تقول بعضها وتُخفي ما هو أهمّ؟

أطلق الاتحاد السعودي لكرة القدم في خريف عام 2021 استراتيجيةً طموحةً للتحول، شيّدها على سبع ركائز هي مسار تطوير المواهب والمسابقات والتكنولوجيا والقوى العاملة والحوكمة والتأثير العالمي وكرة القدم النسائية. ورفعت تلك الاستراتيجية رايةً واضحةً عاليةً: أن يصير المنتخب الوطني ضمن أفضل عشرين منتخبًا في العالم بحلول عام 2034.

ثم انهمرت بعدها الأرقام كالمطر. فها هي المسابقات تُنظَّم، إذ استُهدف تنظيم أكثر من خمسين مسابقةً لمختلف الفئات العمرية، ورفع مراكز التدريب الإقليمية إلى أكثر من خمسة وعشرين مركزًا، والإسهام في تطوير أكثر من أربعة آلاف لاعب. وها هي قاعدة اللعبة تتسع، حتى قفز عدد الفرق المشاركة في برامج الفئات السنية من تسعين فريقًا إلى نحو سبعمئة فريق. وأعلن الاتحاد أن برامج الدعم وحدها كفيلةٌ بأن تحقّق ما يربو على نصف المؤشرات الرئيسية للاستراتيجية.

كلّها أرقامٌ جميلة. وكلّها إن دقّقنا تقيس شيئًا واحدًا: مقدار الحركة، لا مقدار الوصول.

هنا يكمن مربط الفرس. فالمؤشرات نوعان لا يستويان: مؤشرٌ يَزِن جهدك وحركتك ونشاطك، ومؤشرٌ يَزِن أثرك وثمرتك وغايتك. الأول يسألك: «كم زرعتَ؟»، والثاني يسألك: «كم حصدتَ؟». وشتّان بين السؤالين، فقد يزرع المرء حقلاً كاملاً ولا يجني سنبلةً واحدة.

ومعظم ما تفخر به الاستراتيجية من أرقامٍ يقع في خانة الأول: عددُ فرقٍ، وعددُ مسابقاتٍ، وعددُ أكاديمياتٍ، وعددُ مكاتبَ إقليمية. وهي أرقامٌ تشهد على الاجتهاد، لكنها لا تشهد بذاتها على بلوغ الغاية. فمضاعفة عدد الفرق سبع مرّاتٍ لا تعني بالضرورة أن لاعبًا واحدًا ارتقى به المستوى حتى صار يزيّن المنتخب الأول. قد يتكاثر العدد ويبقى الجوهر في مكانه.

قال أهل الإدارة قولاً صار قاعدةً: «حين يتحوّل المقياس إلى هدفٍ، يكفّ عن أن يكون مقياسًا صالحًا». ومعناه أنّ المنظومة، متى جعلت من «السبعمئة فريق» أو «الخمسين مسابقة» غايةً في ذاتها، انصرفت إلى تحسين الرقم لا إلى تحسين ما وراءه. فيُستوفى العدد على أكمل وجه، وتبقى نوعية الموهبة على حالها أو دونها. وهكذا يربح المؤشر ويخسر المعنى، وينتفخ التقرير وتذبل الحقيقة.

ولو كانت تلك المؤشرات تقيس الغاية حقًّا، لتحرّكت النتيجةُ بحركتها. غير أنّ الميدان يروي حكايةً أخرى.

فعلى صعيد التصنيف العالمي، ظلّ المنتخب يتراوح بين المركزين الخامس والخمسين والخامس والستين عالميًا، في موقعٍ يعكس استقرارًا دون قفزةٍ نوعية. وعلى صعيد الفاعلية الهجومية، لم يتجاوز متوسط التسجيل في المشاركات الرسمية الأخيرة قرابة هدفٍ وخُمسٍ في المباراة الواحدة. وعلى صعيد التنافس القاري، تقلّ نسبة الفوز في البطولات القارية عن خمسةٍ وثلاثين في المئة. أمّا الاستقرار الفني وهو حجر الزاوية فلم يحتفظ المنتخب بجهازٍ فنيٍّ واحدٍ لأكثر من ثمانية عشر إلى أربعةٍ وعشرين شهرًا خلال العقد الأخير.

فانظر إلى المفارقة في عُريها: المؤشرات الإدارية تصعد، والنتيجة الميدانية تراوح مكانها. تُعلن الاستراتيجية أنها حقّقت أكثر من نصف مؤشراتها الرئيسية، بينما التصنيف عالقٌ، والشِّباك بخيلةٌ، والكؤوس بعيدة. والاستنتاج المنطقي لا يحتمل التأويل: ما دامت الأرقام ترتفع بينما الغاية ثابتة، فإن تلك الأرقام لا تقيس الغاية.

هل هي فجوة الزمن… أو متى ينكشف الوهم؟ قد يُقال وفي القول إنصاف إنّ بعض هذه المؤشرات «سبّاقةٌ» بطبعها، أي أن ثمرتها لا تنضج إلا بعد سنوات، فزرعُ الأكاديميات اليوم حصادُه بعد عقد. وهذا حقّ. لكنّ فيه مكمن الخطر لا مكمن الطمأنينة، إذ يظلّ المؤشر «أخضرَ» مزهرًا في التقارير سنواتٍ طوالاً، بينما تبقى الغاية في الأفق البعيد، ولا تنكشف الفجوة إلا حين يفوت الأوان ويُقرع جرس البطولة.

وليس هذا تخوّفًا نظريًّا، فقد ارتفعت أصواتٌ ناقدةٌ تقول إنه طوال السنوات السبع الماضية لم يُقدَّم للمنتخب الأول ما يرقى إلى الطموح، بل ولا ما تحقّق قبل أكثر من عشرين عامًا. سبعُ سنواتٍ من المؤشرات المُزهرة، وثمرةٌ لم تنضج بعد.

وأقسى ما في الأمر مفارقةٌ أخيرة: أن يصير السعي وراء المؤشر خصمًا للغاية نفسها. فالتوسّع الكمّيّ يلتهم الموارد، ويزيح الأولوية الحقيقية من موضعها. ومن ذلك أنّ التوسّع في الاستعانة باللاعبين الأجانب ونشر الأندية الاستثمارية يؤثّر في فرص اللاعب السعودي؛ فيرتفع مؤشر «الاحترافية والبريق العالمي» في حين تضيق فعليًّا القناةُ التي يُفترض أن تُغذّي المنتخب بأبنائه. وهكذا قد يُكتب للرقم النجاح على حساب الغاية التي وُجد من أجلها.

ليست هذه دعوةً إلى ازدراء المؤشرات ولا إلى التنكّر للجهد، فالأرقام أدواتٌ نافعةٌ متى صدقت. إنما هي دعوةٌ إلى ألّا نخلط بين وهج الإنجاز وحقيقته، وألّا نطمئنّ إلى تقريرٍ أخضرَ بينما الميدان يصفرّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى