
لفت نظري ما نشرته وزارة الإعلام في تغريدة احتفائية عن المعلق الرياضي الراحل زاهد قدسي -رحمه الله- ضمن سلسلة “مؤثرون راحلون”، تحت عنوان: “زاهد قدسي.. صوت رافق اللحظات الكبرى في ذاكرة الرياضة السعودية والعربية”. ولم يكن ما استوقفني وصفه الإعلامي، بل الإشارة إلى أنه مؤلف كتاب “السجل الرياضي”، أحد أوائل الكتب التي وثقت تاريخ الرياضة السعودية.
استحضار هذا الاسم في هذا التوقيت أعاد إلى ذهني سؤالًا قديمًا يتجدد كلما أُثير الجدل حول تاريخ الأندية: إذا كان رجل بحجم زاهد قدسي، الذي عاصر البدايات، وخالط رجالاتها، ووثق أحداثها، لم ينكر عمادة نادي الاتحاد، فمن أين جاءت الروايات التي تحاول اليوم إعادة كتابة هذا التاريخ؟
وتزداد أهمية شهادة زاهد قدسي لأنه ابن مكة المكرمة، المدينة التي يحتضن تاريخها نادي الوحدة، وكان الأقرب بحكم النشأة والمعايشة إلى بيئتها الرياضية ورجالاتها. ولو كان في تاريخ الوحدة ما يسبق الاتحاد بوثيقة واضحة، لما غاب ذلك عن رجل من مكة عاش الرياضة وكتب عنها ووثق بداياتها.
كما أن مكة المكرمة مدينة موثقة التاريخ منذ قرون، تناولها المؤرخون في أدق تفاصيلها، وسجلوا أخبار رجالها وأحيائها وأحداثها، ولذلك يصعب التسليم برواية تقول إن ناديًا عريقًا مثل الوحدة تجاوز عمره المئة عام دون أن تظهر وثيقة صريحة تثبت ذلك وتحسم الجدل.
ليست كل رواية تُروى تصبح تاريخًا، وليست كل قصة متداولة تصمد أمام الوثيقة. فالتاريخ الرياضي لا يُبنى على الذاكرة وحدها، ولا على الحكايات الشفهية، وإنما على سجلات وشهادات يمكن التحقق منها. وعندما يتحول الجدل إلى محاولة لمعارضة ما استقر عليه التوثيق الرسمي، يصبح السؤال مشروعًا: أين الدليل؟
يبدو لي أن الراحل زاهد قدسي أكبر سنًا من غزالي يماني، وأكثر التصاقًا بالوسط الرياضي، وأقرب إلى رجالات الأندية وروادها. كتب سنوات طويلة في صحيفة “البلاد” من خلال زاوية “هدايا”، وتولى رئاسة تحرير صحيفة “الرياضة”، أول صحيفة رياضية أسبوعية في المملكة، وظل شاهدًا على مرحلة التأسيس والتحولات التي عاشتها الرياضة السعودية.
ورغم مكانته ومعاصرته لتلك المرحلة، لم يُعرف عن زاهد قدسي أنه أنكر عمادة نادي الاتحاد، أو حاول إعادة كتابة التاريخ بعيدًا عن الوثائق. وهو موقف يتوافق مع ما ذهب إليه عدد من رجالات نادي الوحدة الذين عملوا داخل النادي، ورفعوا إلى الجهات الرسمية تاريخ ناديهم عام 1366هـ عند توثيقه، وهو التاريخ الذي اعتمدته وزارة الرياضة وأصبح جزءًا من السجلات الرسمية.
في المقابل، يواصل غزالي يماني التشكيك في تاريخ الاتحاد، ويطرح رواية ترى أن الوحدة أقدم منه، دون أن يقدم وثيقة تاريخية واحدة يمكن أن تغيّر ما استقر عليه التوثيق الرسمي. ولهذا بقيت روايته محل جدل بين المؤرخين والمهتمين بتاريخ الرياضة.
والأكثر إثارة أنه استند في بعض أحاديثه إلى روايات منسوبة إلى أشخاص مجهولي الهوية، أو إلى ما يعرف في العامية بـ”زعطان”، وهو وصف يطلق على مصدر لا يمكن التحقق منه أو الرجوع إليه. ومثل هذه الروايات لا تصلح لإثبات وقائع تاريخية أو نقض وثائق وسجلات رسمية، لأن التاريخ يُبنى على مصادر معلومة يمكن مراجعتها، لا على حكايات مجهولة النسب.
ومن أكثر المواقف تداولًا ما رواه المؤرخ أمين ساعاتي عندما سأل غزالي يماني عن شعار نادي المختلط وملابسه، فجاءت إجابته: “سروال أبو دكة”. وأورد ساعاتي هذه الحادثة مبتسمًا، معتبرًا أنها لا تصلح دليلًا تاريخيًا، خاصة أن “سروال أبو دكة” كان لباسًا شعبيًا معروفًا بين عامة الناس، ولا يمثل زيًا رياضيًا يمكن الاستناد إليه لإثبات رواية تاريخية.
وبعد أن لم تجد هذه الروايات قبولًا لدى المختصين، اتجه النقاش إلى التشكيك في من يخالفه. ومن بين الأسماء التي طالتها الاتهامات المؤرخ الدكتور محمد القدادي، الذي قال في أحد البرامج إن غزالي يماني اتهمه بالتزوير، وهو اتهام خطير كان يستوجب تقديم أدلة واضحة أو اللجوء إلى الجهات المختصة لإثباته.
واليوم يواصل غزالي يماني إثارة الجدل الإعلامي دفاعًا عن روايته، بينما لا تزال الوثائق الرسمية، وشهادات كثير من المؤرخين، ورجالات الأندية، تقف على النقيض منها. وفي المقابل، تبقى “رواية سروال أبو دكة” حاضرة كلما طُلب منه تقديم دليل تاريخي ملموس.
التاريخ لا يُكتب بالروايات الشفهية، ولا يتغير بكثرة الظهور الإعلامي، ولا يخضع للانطباعات الشخصية. التاريخ تحسمه الوثيقة، ويثبته السجل، ويشهد له من عاصر الأحداث. ولهذا يبقى السؤال مشروعًا: هل تكفي رواية “سروال أبو دكة” لمعارضة تاريخ موثق اعتمدته الجهات الرسمية، وأقره رجالات الوحدة أنفسهم، وشهد عليه أحد أبرز مؤرخي الرياضة السعودية، زاهد قدسي؟





