توقعت أن يرد غزالي يماني على الأسئلة التي طرحتها في مقالي «رواية سروال أبو دكة.. هل تكفي لكتابة التاريخ؟»، لكنني لم أتوقع أن يحمل رده ما أراه أهم وثيقة في هذا الجدل.
فقد استشهد بقصاصة من جريدة «البلاد» جاء فيها أن الوحدة هو «أول فريق في مكة». وتوقفت طويلًا أمام هذا النص، لأنني أدركت منذ اللحظة الأولى أن الدليل الذي اختاره لا يقول ما أراد أن يثبته.
فالخبر يتحدث عن أقدمية الوحدة في مكة، بينما ذهب غزالي يماني إلى الاستدلال به على أقدمية الوحدة في المملكة. وبين العبارتين فرق كبير؛ إذ إن الأولى تتعلق بالنطاق المحلي، أما الثانية فهي حكم تاريخي على مستوى الوطن كله يحتاج إلى دليل مستقل.
والأهم من ذلك أن كاتب الخبر نفسه رسم للقارئ إطار الحديث منذ البداية حين قال: «نود أن نعرف للجمهور مركز الفريقين المتباريين ومدى قوتهما ليكون حكمه ورأيه فيهما أدق وأصوب»، أي إنه يقدم تعريفًا بمكانة الفريقين قبل المباراة، لا وثيقة لحسم أقدمية الأندية السعودية.
ولعل المفارقة أن الوثيقة التي استشهد بها غزالي يماني لم تحسم الجدل كما أراد، بل أعادت الأمور إلى نصابها؛ فهي تشير إلى أقدمية الوحدة في مكة، ولا تقول شيئًا عن عمادة المملكة. ولذلك أدركت أن الجدل الذي استمر سنوات انتهى بالوثيقة التي اختارها غزالي يماني بنفسه
بعد هذه المفارقة، عدت لقراءة رده مرة أخرى.
كتبت في مقالي عن «رواية سروال أبو دكة»، وعن الاستناد إلى روايات منسوبة إلى أشخاص مجهولين، وسألت: هل يكفي هذا لإعادة كتابة تاريخ استقر لعقود؟
انتظرت أن أجد جوابًا عن هذه النقطة، فإذا بالرد يتحول إلى شرح مطول عن مفهوم التاريخ الشفهي، واستعراض لتعريفات أكاديمية لا يختلف عليها اثنان. فالخلاف لم يكن يومًا حول قيمة الرواية الشفهية، وإنما حول طريقة استخدامها، وحول هوية من تُنقل عنهم تلك الروايات.
المفارقة أن غزالي يماني استشهد بباحثين ومؤرخين للحديث عن أهمية التاريخ الشفهي، لكنه لم يلتزم بالمنهج الذي استشهد به. فجميع ما نقله يؤكد أن الرواية الشفهية تقوم على شهادة أشخاص معلومين، عاصروا الحدث، ويمكن التحقق من أقوالهم ومقارنتها بغيرها. أما الرواية المنسوبة إلى مجهول، أو إلى «زعطان»، فليست هي التي يتحدث عنها هؤلاء الباحثون.
وكان الأولى به أن يبدأ من الشاهد المحلي، لا من التنظير الأكاديمي.
كان الأولى أن يناقش شهادة زاهد قدسي، ابن مكة المكرمة، وأحد أوائل من وثقوا تاريخ الرياضة السعودية في كتابه «السجل الرياضي».
غزالي يماني اطّلع على كتاب «السجل الرياضي»، ولم يجد فيه سطرًا واحدًا يقرر أن الوحدة أقدم من الاتحاد، ومع ذلك تجاوز شهادة مؤلفه، وذهب يبحث عن شواهد أخرى توافق روايته.
بل إن زاهد قدسي نفسه قال بالصوت والصورة، أثناء تعليقه على إحدى المباريات، إن الاتحاد هو أقدم نادٍ في المملكة. وهذه ليست رواية منقولة عن مجهول، ولا حكاية متداولة، وإنما شهادة رجل عاش تلك المرحلة، وكتب عنها، وارتبط اسمه بتاريخ الرياضة السعودية.
ولم تكن شهادة زاهد قدسي استثناءً، بل جاءت منسجمة مع شهادات وطنية أخرى موثقة بالصوت والصورة. فقد أكد أقدمية الاتحاد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وصاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل -حفظه الله-. وجميعها شهادات موثقة بالصوت والصورة.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يجب عنه غزالي يماني:
إذا كنت تؤمن بقيمة الرواية الشفهية، فلماذا تقبل بعضها وترفض بعضها الآخر؟
ولماذا تستشهد بتعريفات الباحثين عن التاريخ الشفهي، ثم تتجاوز شهادات وطنية حيّة صادرة عن شخصيات معلومة، لأنها لا توافق الرواية التي تتبناها؟
ومن النقاط التي لفتت انتباهي أيضًا أنه تجاهل سؤالًا آخر طرحته في المقال السابق: إذا كان تاريخ الرياضة السعودية لا يتجاوز قرنًا من الزمن، وإذا كانت أسماء المؤسسين معروفة، وأبناء كثير منهم وأحفادهم معروفون، فلماذا لم تظهر حتى اليوم وثيقة صريحة تحسم هذا الجدل؟
أعرف أن غزالي يماني بذل جهدًا في البحث، والتقى أبناء وأحفاد مؤسسي الوحدة، لكن السؤال يبقى قائمًا: أين الوثيقة التي تنقل القضية من دائرة الاجتهاد إلى دائرة اليقين؟
والأهم من ذلك أن من يتصدى للتاريخ لا يكفيه جمع الروايات، بل يلزمه العدل في التعامل معها؛ فلا ينتقي ما يخدم فكرته ولو كان مبهمًا، ثم يستبعد ما يخالفها ولو كان موثقًا بالصوت والصورة. فالتاريخ أمانة، وأخطر ما يهدده أن يتحول من بحث عن الحقيقة إلى بحث عما يؤيد الرأي المسبق.
وفي النهاية، لست أكتب دفاعًا عن الاتحاد، ولا انتقاصًا من الوحدة، فكلاهما من أعرق الأندية السعودية، ولكل منهما تاريخه ومكانته.
القضية بالنسبة لي أكبر من منافسة رياضية؛ إنها أمانة تاريخية.
فمن حق مؤسسي نادي الوحدة الحقيقيين أن تُحفظ أسماؤهم وإنجازاتهم كما وقعت، دون أن تُنسب البدايات إلى أشخاص مجهولين أو إلى روايات لا يُعرف أصحابها.
إن الدفاع عن الوثيقة ليس انتصارًا لنادٍ على آخر، وإنما انتصار لحقوق الأموات الذين صنعوا هذا التاريخ، حتى لا تُصادر جهودهم، أو تُنسب إلى «زعطان».
المشكلة لم تكن يومًا في تعريف التاريخ الشفهي يا غزالي، بل في اختيار الشاهد الذي يُراد تصديقه.
أما أنا، فسأكتفي بهذا الرد، حتى يقدم غزالي يماني ما ينقض شهادة الراحل زاهد قدسي، أو يثبت أن كل تلك الشهادات الموثقة بالصوت والصورة كانت على خطأ.
وأخيرًا، أحيانًا لا يحتاج الباحث إلى خصم يفند استدلاله؛ يكفي أن يقرأ الدليل الذي استشهد به كاملًا. وكفى الله الباحثين شر الجدل.






