بقلم – عبدالرحمن العامري
في لحظة توقف فيها الزمن، وهدأت أصوات المشجعين التي كانت تملأ الساحات والشوارع، وتحولت الألوان الخضراء الزاهية إلى لون صامت من الحزن والدهشة، بعد صافرة النهاية التي أعلنت خروج المنتخب السعودي من دور المجموعات في كأس العالم 2026. ذلك الخروج الذي لم يكن مجرد نتيجة رياضية عابرة، بل كان صدى صارخًا لخلل عميق يتجاوز حدود المرمى والملعب، ليمس جوهر بنية كرة القدم السعودية وثقافتها وتطلعاتها ، فالمنتخبات لا تسقط في تسعين دقيقة، وإنما تسقط حين تُبنى أعوامًا على المجاملات، وتُدار بالعواطف، وتُقاس بالتصفيق بدلًا من النتائج والانتصارات .
إن خروج المنتخب السعودي من نهائيات كأس العالم لم يكن خروجاً عادياً، بل كان مرآةً صارخة تعكس تناقضات المشروع الكروي السعودي: استثمارات ضخمة وطموحات كبيرة تصطدم بواقع فني وإداري يحتاج إلى مراجعة جذرية. ولم يكن الخروج صدمة طارئة بقدر ما كان النهاية الحتمية لرواية كُتبت فصولها بالكثير من الوعود الوهمية، والقليل من الواقعية الكروية. فسقطت الأحلام الوردية على عشب المونديال، وتبخّرت وعود المستقبل المبهر لتترك الشارع الرياضي في مواجهة حقيقة مُرة لاسيما وأن الرحلة المونديالية بدأت بآمال عريضة مستوحاة من تلك الانتصارات التاريخية التي جعلت من الأخضر اسمًا يُحسب له الف حساب، ومن وعود كثيرة بوجود جيل جديد قادر على حمل ورفع راية الوطن في أكبر محفل رياضي عالمي. لكن ما ظهر على أرض الواقع كان صورة تختلف تمامًا عن تلك الصور المتوقعة؛ فبدلاً من التنظيم والتخطيط، رأينا ترددًا في الخطى، وارتباكًا في القرارات، وفقدانًا لتلك الروح القتالية التي طالما عُرف بها لاعبو المنتخب السعودي في المواجهات الكبرى خلال العقود الماضية !
الآن، وبعد الوداع، يجب أن تكون المراجعة شاملة وجريئة. حيث نحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد واستثمار أكبر في القواعد والشباب، وتطوير المدربين الوطنيين، وخلق بيئة تنافسية حقيقية تجعل اللاعب السعودي قادراً على مواجهة أفضل لاعبي العالم بثقة أكبر.فما نحتاجه اليوم ليس مسكنات مؤقته ، بل مشرط جراح يعيد للمنتخب نظارته وشبابه من خلال إعادة النظر في منظومة الاحتراف بأكملها فجلوس اللاعب المحلي على الدكة لا يصنع مجداً عالمياً. كما يجب تفكيك ثقافة التهويل الإعلامي التي ترفع اللاعب إلى مصاف الأساطير بعد مباراة واحدة، أو موسماً كروياً لعب الحظ دوره فيه ، وكذلك صناعة هوية كروية حقيقية لا تعتمد على ردود الأفعال، بل على التخطيط المستدام من القواعد والمواهب الشابة ، فالمنتخبات لا تحتاج إلى تصريحات إعلامية مخدرة بقدر ما تحتاج إلى مشروعٍ كروي طويل النفس، يُقدّم الكفاءة على الشهرة، والعمل على الضجيج، والتخطيط على الارتجال. فهل سنفعلها في المونديالات القادمة ؟ فالتاريخ ينتظر، والجماهير تترقب.
وخزة قلم:
المنتخبات الكبرى لا تُصنع في المؤتمرات الصحفية، بل في الملاعب .






