في تصريح جريء كالسيف المسلط على الجراح الخفية، وفي لحظة مكاشفة نادرة الحدوث في زمن البثوث تطرق معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ في معرض حديثه إلى بعض الجمعيات الخيرية فسقط تصريحه كصخرة في بركة راكدة، أثار بعدها أمواجاً من الجدل، وكشف عن قاع مظلم طالما غُطّي بالورود والدعاء والصور المؤثرة كما أثار نقاشاً واسعاً بين مؤيد يرى فيه حماية لأموال المتبرعين، ومتحفظ يخشى أن تُفهم الرسالة على أنها تعميم فيه اجحاف يطال قطاعاً يُعد من أكثر القطاعات خدمة للمجتمع وهو القطاع غير الربحي .
والحقيقة أن الإنصاف يقتضي النظر إلى هذا التصريح من زاويتين لا من زاوية واحدة فقط . فمن جهة، لا أحد يختلف على أن العمل الخيري يجب أن يكون محاطاً بأعلى درجات الشفافية، فالتبرعات أمانة، وأموال المحسنين وحقوق المستفيدين لا تحتمل التساهل أو المجاملة، وكل تجاوز فردي أو استغلال للعاطفة الإنسانية يستوجب المواجهة والمحاسبة. ومن جهة أخرى، فإن الجمعيات الخيرية في المملكة قدمت عبر عقود طويلة نماذج مشرقة في خدمة المحتاجين ورعاية الأيتام ودعم المرضى وتنفيذ المبادرات التنموية. ونجح الكثير من هذه الجمعيات في بناء جسور ثقة بينها وبين المجتمع بفضل أعمالها الميدانية وإنجازاتها الخيرية الملموسة.
ومن الإنصاف أيضاً الإدراك بأن تصريح الوزير، رغم جرئته وحدته، إلا إنه استثنى النادر من الجمعيات المخلصة في إشارة واضحة بأن المطلوب ليس إغلاق أبواب الخير، بل تطهير عتباتها. من خلال التحكم في المشاعر وتحويل العمل الخيري من اجتهادات أفراد قد تلوثها الشوائب، إلى منظومة مؤسسية تتسم بالشفافية المطلقة، تحت مظلة منصات وطنية موثوقة كمنصة (إحسان) وغيرها، التي تضمن وصول التبرع من يد المتصدق إلى المحتاج مباشرة.
ومسك الختام فإن عشرات الألاف من أبناء هذا البلد المعطاء يتساءلون هل وضع تصريح الوزير النقاط على الحروف، وأعاد التذكير بأن العاطفة المجردة من العقل والوعي هي أرض خصبة للاستغلال ؟!. أم أن التصريح كان يجب ان يكون أدق تعبيراً وأقل حدة لا سيما وأنه أثار نقاشاً وجدلاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعٍ عن حوكمة القطاع الثالث وبين مؤيد للتحذير الحازم، مدركين جميعنا أن التعميم ظلم، والتغاضي عن الأخطاء ظلم آخر، أما العدل فهو أن يُحاسَب المسيء وأن يُكرَّم المحسن ، وبين هذين المبدأين تنمو المؤسسات الناجحة وتستمر.
وخزة قلم:
أخطر أنواع السرقة ليست تلك التي تسلبك مالك رغماً عنك، بل تلك التي تجعلك تدفعه باسم الإنسانية.






