كتاب الرأي

السعودية والصين واستعادة الشرق

العلاقة السعودية الصينية ليست حدثًا سياسيًا عابرًا بل تعبير عن عودة مسار تاريخي ظل فاعلًا قرونًا طويلة قبل أن تعيد التحولات الدولية رسم خرائط النفوذ العالمي. فما يجمع الرياض وبكين اليوم لم تصنعه الحاجة الاقتصادية وحدها بل صنعته ذاكرة حضارية بدأت مع طريق الحرير حين كانت الجزيرة العربية بوابة الشرق إلى العالم وكانت الصين إحدى أعظم مراكز الإنتاج والمعرفة في التاريخ.

عرف العرب الصين منذ العصور القديمة ووصل التجار المسلمون إلى ميناء كانتون منذ القرن السابع الميلادي وأسهموا في ازدهار الحركة التجارية ونشوء جاليات عربية وإسلامية ما تزال آثارها حاضرة في مسجد هوايشنغ أحد أقدم المساجد في الصين. ولم تقم العلاقة بين الحضارتين على منطق الغلبة ولا على إرث استعماري بل تأسست على التجارة والثقة وتبادل المنافع وهو ما منحها استمرارية نادرة في تاريخ العلاقات بين الأمم.

ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية عام 1990 دخلت هذه الذاكرة الحضارية مرحلة جديدة اتسمت بالتخطيط الاستراتيجي حتى أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للمملكة وتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين مئة مليار دولار سنويًا. وجاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الرياض عام 2022 لتؤكد هذا التحول عبر توقيع أربع وثلاثين اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت الطاقة والصناعة والتقنيات المتقدمة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية والاستثمار.

ولم يعد التعاون محصورًا في الاقتصاد بل امتد إلى الثقافة والتعليم والبحث العلمي والفضاء والذكاء الاصطناعي مع إدراج اللغة الصينية في التعليم السعودي وتنامي برامج التبادل الأكاديمي والبحثي بما يعكس انتقال العلاقة من تبادل المصالح إلى بناء الشراكات المعرفية طويلة الأمد.

ويتجلى العمق الاستراتيجي لهذه العلاقة في التقاء رؤية المملكة 2030 مع مبادرة الحزام والطريق حيث يسعى المشروعان إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية عبر الموانئ الذكية وسلاسل الإمداد والطاقة النظيفة والاقتصاد المعرفي. وهنا تتحول المملكة إلى عقدة وصل بين ثلاث قارات بينما تجد الصين في الرياض شريكًا يتمتع بالاستقرار والثقل السياسي والموقع الجغرافي الفريد.

إن ما يجمع السعودية والصين اليوم ليس مجرد مصالح متبادلة بل رؤية مشتركة ترى أن القوة الحقيقية تُبنى بالاقتصاد والمعرفة والابتكار وأن الشراكات الراسخة أكثر أثرًا من التحالفات المؤقتة. وهكذا يعود الشرق إلى صناعة التاريخ لا باستحضار أمجاد الماضي بل ببناء مستقبل يقوم على التنمية والتوازن والتعاون بين الحضارات.

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى