ليست الحقيقة في حاجة إلى من يرفع صوته دفاعًا عنها، فالمواقف العظيمة تنطق بذاتها، والتاريخ لا يكتب روايته بأقلام الدعاية، بل بميزان الوقائع. وما أكثر الأكاذيب التي ملأت الآفاق ضجيجًا ثم ابتلعها النسيان، وبقيت المواقف وحدها شاهدة على أصحابها.
في مستنقع الأكاذيب لا تسبح إلا الأسماك الميتة، وحياة أصحابه أشبه بالعفن، ونفوسهم هاجعة في ظلمات الحقد والضغينة. فاحذروا من باعوا أوطانهم، وعروبتهم، وقيمهم، ومبادئهم بثمن بخس. إنهم المدلسون والمفلسون والكذابون والحاقدون والدجالون والحاسدون والمتملقون والمتسلقون والخبثاء والخائنون. يقتاتون على الكذب، ويرضعون اللؤم، ويشوّهون الحقائق، ويبثون السموم، ويتاجرون بالأوهام، ويعيشون على تضليل البسطاء واستغفال المهمشين، حتى يغدو تصفيق أتباعهم غطاءً مؤقتًا لا يحجب ازدراء الناس لهم ولا بصقة التاريخ في وجوههم.
لقد اختارت المملكة العربية السعودية أن يكون نفوذها امتدادًا لمسؤوليتها، وأن تجعل من الإنسان غايةً قبل السياسة، فكانت في ميادين الإغاثة والتنمية وصناعة الاستقرار حاضرة بالفعل قبل القول، تمد يد العون للشعوب المنكوبة، وتسابق الأزمات إلى التخفيف من آثارها، دون منٍّ أو مزايدة أو متاجرة بالمآسي. لذلك لم يكن مستغربًا أن تواجه هذا النهج بحملات تضليل يقودها من أعمتهم الأحقاد، أو استعبدتهم الأيديولوجيات، أو دفعتهم المصالح إلى إنكار المعروف وتشويه الحقائق.
في الشدائد والأزمات والحروب، لا تُختبر قوة الدول وحدها، بل تُختبر الضمائر أيضًا. هناك تتهاوى الأقنعة، وتنكشف المعادن، ويغدو التاريخ قاضيًا لا يعرف المجاملة، فيخلّد من جعلوا العطاء رسالة، والوفاء مبدأ، والكرامة نهجًا، ويطوي في هوامشه أسماء من باعوا الحقيقة بثمن بخس، وظنوا أن الضجيج يصنع مجدًا، بينما المواقف وحدها هي التي تصنع التاريخ





