المقالات

الشباب حصن الوطن

يصنعُ الشبابُ مصيرَ الأوطان قبل أن تصنعه الثروات، ويؤسسون مجدَ الدول قبل أن تؤسسه الإمكانات. فالتاريخ يشهد أن الحضارات لم تُبنَ بكثرة الموارد، وإنما بوفرة العقول، وصدق الانتماء، وإرادة الرجال والنساء الذين آمنوا بأوطانهم، فحوّلوا الطموح إلى واقع، والتحديات إلى فرص، والأحلام إلى منجزات.

ولهذا كان الشباب الثروة الوطنية الحقيقية، والترسانة الفكرية التي تحرس الهوية، والقوة المنتجة التي تدفع عجلة التنمية، والركيزة التي تستند إليها الدولة في بناء حاضرها واستشراف مستقبلها. فهم ليسوا مجرد فئة عمرية، بل مشروع حضاري متجدد، تتجسد فيهم قدرة الوطن على التجدد، واستمرار عطائه، وتعزيز مكانته بين الأمم.

ولا تقوم الدولة الحديثة على وفرة المال وحده، ولا تُصان حدودها بالسلاح وحده، وإنما تقوم على الإنسان المؤهل، الواعي، المخلص، الذي يحمل الوطن في ضميره قبل أن يحمله في شعاراته. ومن هنا يصبح الاستثمار في الشباب، وتأهيلهم، وتوطين الوظائف لهم، وتمكينهم من مواقع المسؤولية، خيارًا استراتيجيًا يرسخ الأمن الوطني، ويحقق التنمية المستدامة، ويحصن المجتمع من البطالة، ومن الأفكار الهدامة، ومن كل دعوة تستهدف وحدته أو تسعى إلى بث الفرقة والتطرف في نسيجه.

إن حماية الوطن تبدأ من الداخل قبل أن تمتد إلى الحدود. تبدأ ببناء عقلٍ مستنير، وغرس وعيٍ راسخ، وتعزيز قيم الانتماء والاعتدال، حتى يصبح كل شاب حارسًا لهوية وطنه، ومدافعًا عن وحدته، ومشاركًا في نهضته. فالجبهة الداخلية المتماسكة هي السياج الأقوى الذي تتحطم عليه محاولات الاختراق، وهي الأساس الذي تستند إليه قوة الدولة في مواجهة التحديات.

ولذلك فإن الأمم التي تمنح شبابها الثقة، وتفتح أمامهم أبواب العلم والعمل والإبداع، لا تبني حاضرها فحسب، بل تؤسس لمستقبلٍ طويل الأمد، وتضمن استمرار نهضتها عبر الأجيال. أما الأمم التي تُهدر طاقات شبابها، فإنها تُفرط في أعظم ثروة تملكها، وتضعف قدرتها على المنافسة والبقاء.

وسيظل الوطن قويًا ما دام شبابه أقوياء في علمهم، راسخين في قيمهم، ثابتين في ولائهم، مؤمنين بأن خدمة الوطن ليست وظيفة تُؤدَّى، بل رسالة تُحمل، وأمانة تُصان، وعهدٌ يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل. فبهم تُحمى الأرض، وبهم تُصان الهوية، وبهم تُكتب صفحات المجد، ويظل الوطن شامخًا عزيزًا، عصيًّا على كل من يحاول النيل من أمنه أو وحدته أو مستقبله.

أ. د. عايض محمد الزهرانيI

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى