المقالات

البداوة المتخيلة

تمثل البداوة في العالم العربي عامة، وشبه الجزيرة العربية خاصة، ثلاث لحظات تاريخية متعاقبة؛ بدأت بوصفها ممارسة اجتماعية واقتصادية قائمة على الترحال والغزو، وهذا يمثل تاريخها الطويل، ثم تحولت مع اكتمال برامج التوطين، إلى بداوة مستقرة تحتفظ بذاكرتها وتراثها داخل المجتمع، ثم دخلت اليوم مرحلة جديدة تشكلت فيها بداوة متخيلة لدى أجيال جديدة لم تعش تجربة البداوة السابقة ولا أدركت من عاصرها.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير دراسات البداوة؛ لفهم هذا التحول من مجتمع يعيش البداوة أسلوب حياة إلى مجتمع يحفظ تراثها، ثم إلى مجتمع يعيد تخيلها وصياغة صورتها بشكل انتقائي، لفهم مخاطر اندثار التراث البدوي المادي وغير المادي، وفهم آليات التعصب القبلي.

البداوة كظاهرة عالمية

تكشف المقارنة بين المجتمعات البدوية أن البداوة نشأت استجابة لدوافع إنسانية متكررة أنتجت حلولًا اجتماعية متقاربة في بيئات متباعدة؛ فالتنقل الموسمي، والتنظيم القرابي، والغزو، وتقاسم الموارد، وحماية المجال الرعوي، وتوارث المعرفة الشفوية، كلها أدوات نشأت لضبط الحياة في البيئات قليلة الموارد.

وتكمن أهمية المقارنة في أن التشابه بين بدو الجزيرة العربية ونظرائهم في آسيا وأفريقيا وأوروبا يردّ كثيرًا من الصفات المنسوبة إلى العرق أو الطبع القبلي إلى شروط المعيشة نفسها، ويجعل البداوة نظامًا بيئيًا واجتماعيًا صاغته الضرورة، ثم منحته كل جماعة معانيها ورموزها وذاكرتها الخاصة.

تكشف المقارنة بين المجتمعات البدوية في العالم عن وجود سمة مشتركة تتمثل في وجود حيوان محوري تنتظم حوله الحياة البدوية، فالإبل شكلت مركز المنظومة البدوية في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، والأبقار لدى بعض قبائل أفريقيا كالنوير، والرنة لدى شعوب سيبيريا، والياك في هضبة التبت، واللاما والألبكة في جبال الأنديز.

وتختلف أنواع الحيوانات باختلاف البيئة، بينما تبقى الوظيفة الحضارية واحدة؛ إذ يمثل الحيوان الركيزة التي تنتظم حولها أنماط المعيشة والثروة والثقافة؛ لأنه يمثل مصدر الغذاء، والنقل، والثروة، والهيبة والمكانة، ومهر الزواج، والتبادل الاقتصادي.

ويرجع هذا التشابه إلى أن البيئات الجافة تفرض قيودًا متقاربة على أنماط الإنتاج والحركة، فتنتج حلولًا اجتماعية متشابهة مهما اختلفت الأصول العرقية والثقافية.

المراحل التاريخية للبداوة

شهد مفهوم البداوة في الجزيرة العربية تطورًا تاريخيًا متدرجًا، ويمكن تتبعه عبر أربعة مراحل رئيسة، تمثل كل مرحلة منها تحولًا في البنية السكانية والاجتماعية للمجتمعات البدوية:

المرحلة الأولى: البداوة القديمة والتكيف الصحراوي، ويمثلها الشعب الثمودي، وتمثل أقدم مرحلة واضحة يمكن رصدها تاريخيًا في الجزيرة العربية، وتشير الرسومات والنقوش الثمودية إلى حضور مبكر لرعاية الإبل بشكل عميق، وفق ما تؤكده آلاف الرسومات الصخرية المنتشرة.

كما تؤكد نقوشهم الصخرية على كثير من قيمهم ورؤيتهم للدين والحياة والملكية الفردية والصراع والفخر، وقد درست بعضها في كتابي “حضارة منقوشة على حجر: الشعب الثمودي” (2024).

المرحلة الثانية: البداوة القبلية في الجاهلية وصدر الإسلام، وفيها تبلورت البداوة بوصفها نمطًا للعيش قائمًا على التنقل والرعي، ثم أصبحت البادية المرجع الأهم للفصاحة واللغة والشعر والأنساب، فأصبحت مصدرًا رئيسًا في بناء المعرفة العربية.

استمرت البداوة في العصر الإسلامي تحتفظ بمسمياتها وهيكلها القرابي، مع تعرض القبائل العربية مع الفتوحات الإسلامية للانتقال إلى أقاليم بعيدة، واستقرت جماعات منها في الأمصار الجديدة واندمجت مع شعوبها.

المرحلة الثالثة: إعادة تشكل القبائل في العصر الوسيط، وتمثل مرحلة إعادة تشكل الخريطة القبلية، وبروز قبائل انفصلت كثير منها بمسمياتها عن القبائل العربية الإسلامية، مثل بني لام وزعب وغيرهما، وانتشارها في الجزيرة العربية وما حولها، مع تحضر بعض فروعها واستمرار بعضهم على أسلوب الحياة البدوية.

المرحلة الرابعة: البداوة الحديثة قبيل التوطين، وهي التي تشكلت منها القبائل المعاصرة الآن، واستقرت كثير من مسمياتها الحالية منذ القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وأصبحت الأساس الذي قامت عليه معظم الدراسات والكتابات المعاصرة عن البدو في الجزيرة العربية.

البدو بين زمنين: الترحال والاستقرار

حظيت البادية في الجزيرة العربية باهتمام مبكر من الرحالة والمستشرقين، غير أن الدراسات العلمية المنظمة بدأت تتبلور منذ أواخر القرن التاسع عشر، وجمع أبو بكر باقادر “ببليوجرافيا الدراسات الغربية حول البداوة في البلاد العربية” (1997)، رصد اتساع الاهتمام العلمي بالبدو، بما رسّخ البداوة بوصفها أحد أبرز موضوعات البحث في الدراسات الاجتماعية.

تميزت كتابات الرحالة والمستشرقين للبدو وهم في حالة ترحال ورصد أسلوب الحياة البدوي ممن عاشوا التجربة، ويعد كتاب الليدي آن بلنت، وهي رحّالة وكاتبة إنجليزية، زارت بدو الفرات وبادية الشمال ونجد خلال عام 1878م، وسجلت مشاهداتها في كتابها “رحلة إلى بلاد نجد”، ثم جاءت أعمال ألويس موزيل، وهو مستشرق ورحالة تشيكي، جاب بادية شمال الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين، ووثّق مشاهداته عن القبائل العربية، ولا سيما عنزة وشمر.

أما العمل الأبرز فكان موسوعة المستشرق الألماني ماكس فون أوبنهايم “البدو”، التي بدأ نشرها عام 1939، واستكملها في خمسة مجلدات بالتعاون مع ڤرنر كاسكل، وظلت حتى اليوم من أوسع الموسوعات التي تناولت أنساب القبائل العربية وتوزعها الجغرافي وبنيتها الاجتماعية.

كما تخصص جون فريدريك وليامسون في دراسة قبيلة شمر، وقدّم عنها دراسة مستقلة في تاريخها وتنظيمها السياسي، بينما قدّم هارولد ريتشارد ديكسون في كتابه “عرب الصحراء” وصفًا إثنوغرافيًا لحياة البدو وثقافتهم، متناولًا أنماط الترحال، والتنظيم الاجتماعي، والعادات، والتقاليد في بادية الكويت وشمال شرق الجزيرة العربية.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين انتقلت الدراسات من الوصف الخارجي إلى التحليل الأنثروبولوجي والاجتماعي للبدو وهم في حالة تحضر واستقرار، فبرزت أعمال دونالد كول، وهو عالم أنثروبولوجيا أمريكي، أجرى بحوثًا ميدانية في السعودية منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، ودرس قبيلة آل مرة في الربع الخالي، ثم برز مارسيل كوربرشوك، وهو دبلوماسي هولندي، أجرى منذ عام 1989 بحوثًا ميدانية في وادي الدواسر، ووثّق الشعر النبطي والثقافة البدوية الشفوية من خلال معايشته لقبيلة الدواسر، ونشر نتائجها في سلسلة “الشعر والرواية الشفوية من وسط الجزيرة العربية”.

وبرزت مرحلة دراسات المنظمات الدولية، إذ حظيت البداوة باهتمام مبكر من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي خصصت عام 1959 عددًا خاصًا من المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية بعنوان “الرحّل والبداوة في المناطق الجافة”، تناول الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية للبداوة، وضم دراسات عن بدو المملكة العربية السعودية، وبدو مصر، والصومال، والصحراء الكبرى، والاتحاد السوفيتي، بما جعله من أوائل الأعمال الدولية التي قدّمت رؤية مقارنة للبداوة بوصفها ظاهرة إنسانية عالمية.

ثم جاءت مرحلة الدراسات السعودية، إذ جمع عددًا من الرواة القصائد البدوية في مخطوطات، مثل “لباب الأفكار من غرائب الأشعار” لمحمد بن عبدالرحمن بن يحيى، ثم قدّم الدكتور سعد الصويان نقلة نوعية في دراسة البادية من داخل الثقافة نفسها، من خلال بحوثه في بعض قبائل شمال المملكة في كتابيه “أيام العرب الأواخر” و”الصحراء العربية”، ليصبح من أبرز الباحثين العرب الذين أعادوا قراءة المجتمع البدوي بأدوات علمية حديثة، جامعًا بين الرواية الشفهية والتحليل التاريخي والأنثروبولوجي.

وقد حفظت أعمال المستشرقين والرحالة جانبًا واسعًا من حياة البدو في أواخر عهد الترحال، فسجلت لغتهم وأنسابهم وأشعارهم وعاداتهم ومساراتهم وتنظيمهم الاجتماعي قبل أن تتبدل هذه المنظومة جذريًا مع الاستقرار والتحضر، بينما دخلت الدراسات الأكاديمية السعودية إلى هذا المجال متأخرة، بعد أن كانت البداوة الفعلية قد بدأت في الانحسار.

البدو بين حالتين: الحركة والسكون

يُلحظ أن الدراسات والبحوث المتعلقة بالبدو اتخذت مسارين رئيسين يكمل أحدهما الآخر. حيث ركز المسار الأول على دراسة تراث المجتمع البدوي المادي وغير المادي في حالته السكونية، فيتناول هذا التراث: الشعر والرواية الشفوية والعادات، وأساليب الحياة اليومية؛ مثل أماكن نزول القبائل، وآبار المياه، والوسوم، ومسارات الهجرات الموسمية، وأدوات الرعي والصيد، وأدوات الصناعات التحويلية، ومستلزمات الخيام، والأواني، والأسلحة، والسروج، ولوازم الإبل والخيل.

ومن الدراسات السعودية المتخصصة في البيئة البدوية دراسة مانع الدعجاني “التقنيات التقليدية في البيئة البدوية: دراسة إيكولوجية توثيقية عن البدو في منطقتي الدهناء والصمان”، التي تناولت علاقة البدوي بالبيئة الصحراوية، وآليات التكيف مع مواردها، وأساليب استغلال المرعى والمياه.

أما المسار الثاني فيتجه إلى دراسة البدو في حالتهم الحركية والديناميكية، حين تدخل القبائل في حروب وصراعات وغزو، فيركز على حركة القبائل، والتحولات السياسية والعسكرية.

وثّق المؤرخ عبدالله البسام غزوات القبائل البدوية في “تحفة المشتاق”، منذ القرن العاشر الهجري بشكل غير مسبوق، ونشر محمد الأحمد السديري “أبطال من الصحراء” (1978)، ورصد محمد بن بليهد في كتابه “صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار” عددًا كبيرًا من مغازيهم وحروبهم في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، فحفظ جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة والصراع القبلي في البادية.

ومن ثم فإن فهم البداوة لا يكتمل بدراسة أحد المسارين دون الآخر؛ فالأول يكشف بنية المجتمع البدوي، بينما يفسر الثاني ديناميكية حركته ودوره التاريخي.

البداوة المتخيلة

بدأ توطين البدو المخطط له منذ الثلاثينيات حتى اكتمل في سبعينيات القرن العشرين؛ إذ انتهى عمليًا نمط الترحال بوصفه أسلوبًا للحياة، بعد عقود من سياسات التوطين، وانتشار الهجر، واتساع الخدمات الحكومية، وشبكات الطرق، والتعليم، والرعاية الصحية.

ويُعدّ ظهور الجيلين الثالث والرابع من أحفاد البدو الرحّل أحد أبرز امتدادات دراسة الظاهرة البدوية؛ فهذه الأجيال عرفت البداوة بوصفها ذاكرة موروثة انتقلت إليها عبر السماع، والقراءة، والذاكرة القبلية، بعد أن انقطعت صلتها المباشرة بتجربة الحياة البدوية نفسها.

ومع مرور الزمن تراجعت الصلة المباشرة بالتجربة البدوية الأصلية، حتى انقسمت علاقة الجيل الرابع من أبناء القبائل إلى مسارين متباينين؛ مسار انفصل فيه كثير منهم عن ظاهرة البداوة نتيجة اندماجهم في التعليم والوظيفة وأنماط الحياة الحديثة، ولم تعد البداوة تشكّل وعيهم اليومي.

ومسار آخر المتمثل في “البداوة المتخيلة”؛ وهي صورة ذهنية انتقائية مثالية، تستحضر البطولة والفروسية والهيمنة، وتتجاهل الوجه الآخر للبداوة بما انطوت عليه من مواسم قحط، وحروب، وأوبئة، وجوع، ومشقة في الترحال، وصراع دائم مع البيئة.

وتظهر البداوة المتخيلة بوضوح في عدد من الممارسات الثقافية المعاصرة، ولا سيما في بعض قصائد الشيلات وفن المرادّ، وفي التميز بأرقام القبائل، وفي الخطاب القبلي المصاحب لامتلاك الإبل المتداول عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

ويمكن الاستفادة من مفهوم “الجماعة المتخيلة” عند بندكت أندرسون في فهم تشكل الشعور الجمعي؛ إذ يرى أن الجماعات قد تتكون حول تصور مشترك بالانتماء، حتى مع غياب المعرفة المباشرة بين معظم أفرادها. ويساعد هذا المنظور في تفسير تشكل صورة جمعية عن البداوة لدى أجيال لم تعشها، وإنما تشكل وعيها بها من خلال الروايات والرموز المتداولة.

كانت العصبية القبلية في المجتمع البدوي المتنقل تؤدي وظيفة اجتماعية واضحة تتمثل في الحماية والتضامن وتنظيم الوصول إلى الموارد في بيئة عالية المخاطر. ومع تغير البنية الاجتماعية واستقرار المجتمعات واحتكار الدولة لوظائف الأمن، تراجعت الحاجة العملية إلى تلك العصبية، إلا أن بعض مظاهرها استمرت بوصفها “رواسب ثقافية” وفق تصور إدوارد تايلور؛ أي عناصر فقدت وظيفتها الأصلية، لكنها بقيت متداولة في الوعي والسلوك والرموز الاجتماعية، فتحول التعصب القبلي في بعض صوره إلى ممارسة تستمر بعد زوال الظروف التي أوجدتها.

ولعل هذه هي أهم مرحلة في دراسة الظاهرة البدوية؛ إذ يمكن أن تُدرس البداوة من خلال الطريقة التي تتذكرها بها الأجيال التي لم تعشها، وكيف تعيد بناء صورتها وتوظيفها في تشكيل الهوية والانتماء والوعي بالماضي.

6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى