صدر المرسوم الملكي بالموافقة على نظام التعليم العام في 24 يوليو 2026، ليُمثّل أكبر تحديث تشريعي لمنظومة التعليم العام منذ عقود.
هذا النظام يرى أن الإنسان هو مركز العملية التعليمية، وهدفه استثمار استراتيجي في بناء الشخصية والوعي والقيم.
وهنا تبرز «الأنسنة» كمنهج فكري وإداري يجعل الإنسان غاية العملية التعليمية ووسيلتها في آنٍ واحد.
ويعزز هذا الاتجاه الإنساني في التعليم،
ما أكده وزير التعليم يوسف البنيان” أن الوزارة بدأت خطوات جادة نحو “أنسنة” المدارس وتحسين البيئة التعليمية، بما يسهم في رفع جودة نواتج التعلّم، مشيرًا إلى أن البيئة المدرسية تمثل ما يقارب ثلث التأثير في نواتج التعلّم، إلى جانب المناهج والمعلمين.”
وعمليا: ، “مبادرة أنسنة المدارس” في مكة المكرمة، التي تمثل نموذجًا أوليًا يستهدف تعزيز الاستدامة وجودة الحياة في البيئة التعليمية” ، الذي دشنه معالي الوزير.
الأنسنة تعني :”إضفاء الصفات أو الاحتياجات الإنسانية على الأشياء، وتظهر بوضوح في مجالات متعددة منها : أنسنة التعليم ، لتكون متمحورة حول راحة الإنسان ومشاعره .
الأنسنة كفلسفة تتمركز حول الإنسان
· محور الكون: كما عند الفارابي، حيث الإنسان هو “جوهر الكون والغاية من الخلق”.
ويقول باولو فريري، المربي والفيلسوف البرازيلي الشهير، “إن التعليم ليس محايدًا أبدًا، فهو إما يُبقي العالم على حاله أو يُسهم
في تغيير العالم وخلقه من جديد عبر ممارسة الحرية والتفكير النقدي».
وهذه الأنسنة تتكئ على بعدين هما : النفسي والاجتماعي.
فالنفسي يهتمّ بحالة المتعلم النفسية، مثل الشعور بالأمان، وتقدير الذات، والدافعية، وتقليل القلق والخوف من الخطأ.
وتشير بعض الأدبيات إلى أن ” التعليم الإنساني يراعي الفروق الفردية والخصوصية النفسية للطفل أو الطالب، ويبتعد عن العنف التربوي.”
كما تؤكد بعض الطروحات الحديثة” أن جودة التعليم ترتبط أيضًا بالسلامة النفسية والدعم الإرشادي داخل المدرسة”.
أما البعد الاجتماعي فيركّز على ” أن يكون التعليم بيئة للتعاون والانتماء والاحترام المتبادل، لا مجرد تلقين للمعلومات.”
مثل: العمل الجماعي، والحوار، واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي ، وبناء علاقات إيجابية بين الطلاب والمعلمين ، التعلّم التعاوني ، العمل بروح الفريق.
والنظام يتكفل ببناء الشخصية ، وفي
مقدمتها “( غرس العقيدة الإسلامية والقيم المستمدة من القرآن والسنة، وتعزيز الولاء والانتماء الوطني، وترسيخ مكانة الأسرة، وتعزيز قيم التسامح والسلام والتعايش واحترام حقوق الإنسان. إلى جانب ذلك ينمّي التفكير النقدي والإبداعي، والتعامل الواعي مع الإعلام، ومهارات التعلم مدى الحياة، والانضباط والإنتاجية).”
وصورة البعد الإنساني تتضح عمليا في (الفصل السادس)
(ﺍﻟﻄﻼﺏ ﻭﺍلمعلمون ﻭﺃﻭﻟﻴﺎﺀ ﺍﻷﻣﻮﺭ)
فقد أقر النظام للمرة الأولى حقوقًا مفصّلة للطالب، في مقدمتها:
“• بيئة تعليمية آمنة نفسيًا وجسديًا وفكريًا، وحمايته من جميع أشكال الإيذاء.
• سماع شكواه وقيدها واتخاذ الإجراء اللازم.
• الرعاية الصحية الأولية داخل المؤسسة التعليمية.
• عدم تكليفه بأي عمل ناتج عن اجتهاد فردي لا يتوافق مع النظام.
• الحصول على حوافز مادية ومعنوية عند التميز، وتسلّم شهادة النجاح دون قيد أو شرط.
أما المعلم، فقد ضمن له النظام بيئة مناسبة، وبرامج تدريب وتطوير مهني تشمل التقنيات الحديثة، وإمكانية الإسهام في تطوير التعليم، وحوافز عند التميز. وفي المقابل ألزمه بمراعاة الفروق الفردية وتحقيق العدالة، وتعزيز ثقة الطلاب بأنفسهم، واكتشاف الموهوبين، وأن يكون قدوة ملتزمًا بقيم الهوية الوطنية وميثاق أخلاقيات المهنة داخل المدرسة وخارجها. ”
ولم يغفل النظام المجتمع ، والأسرة خاصة
فالأسرة كشريك أساسي في الرحلة التعليمية.
وأكد حماية حقوق الإنسان في التعليم، وتوفير بيئة آمنة ومحفزة.
لكي تتحول العلاقة بين المدرسة والأسرة من علاقة محاسبية إلى علاقة تعاونية داعمة.
فتُشرك الأسرة في فهم احتياجات ابنها النفسية والاجتماعية ،و تُفتح أبواب المدرسة للمجتمع المحلي ليصبح فضاءً ثقافيًا واجتماعيًا .
وتناولت الأنسنة ، أنسنة البيئة المدرسية (الإنسان والمكان)، و العلاقة التربوية بين(المعلم والطالب)، و المناهج وطرق التدريس، و القرار والإدارة المدرسية.
فنظام التعليم السعودي الجديد (في إطار رؤية 2030) يضم نماذج واضحة وملموسة تجسّد هذا التحول نحو “أنسنة التعليم”. إليك أبرزها على أرض الواقع:
*مسارات الثانوية العامة الجديدة
* مادة “المهارات الحياتية والأسرية” المطوّرة.
* التعليم المبكّر: منهج “الطفولة المبكرة” في رياض الأطفال.
* منصة “مدرستي” والتقييم من أجل التعلم.
* دمج ذوي الإعاقة في “مدارس الدمج”.
* برنامج “ريالي” للتوعية المالية.
أخيراً:
التعليم مشروعٌ وطنيٌ يبني الإنسان،
“فكلما كانت المدرسة أكثر إنسانية، كانت أكثر قدرة على إعداد فرد متوازن، واثق من نفسه، قادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه، ومؤهل للمساهمة في نهضته”. “فإذا نجحت في تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة يومية، فإن المملكة لن تخرج فقط بجيلٍ متعلّم، بل بجيلٍ يشعر بقيمته، ويؤمن بدوره، ويحمل وطنه في ضميره قبل أن يحمله في شهادته”.
0






