أهديتُ لنخبة من الأصدقاء، ومن جمعتنا معهم الحياة، في الأسبوع الماضي عملًا جديدًا كان بصوت الفنان عامر البارقي، وكلماتي، وكان عنوان العمل: “مآخذ على خاطرك مني”.
ووصلتني عدة ردود جميلة، ولكن كان لعبد الله رقبان شأن آخر؛ فقد أرسل مداعبًا:
إذا أنت لست ماخذًا على خاطرك مني، فأثبت ذلك بزيارة لعيادات الرقبان، لتشاهد واحدة من إنجازات أبنائك ممن عملوا معك.
وفعلًا قمت بتلك الزيارة، وأسعدني ما رأيت. وربما كانت الزيارة قصيرة، لكنها أنعشت الذاكرة، وأعادت بي إلى الوراء عشرات السنين.
وأنا هنا لا أسرد تاريخًا، ولكن أمرُّ على الديار هنا وهناك، وأتوقف في محطات متعددة، والمحور هو الرقبان ومقهاه الشهير.
عندما كنت ملازمًا في نجدة جدة، كنت أمر على ملعب النادي لنطمئن على حبيبنا الاتحاد، وبالتالي كانت صداقتنا تنسجها الوجوه الاتحادية. فكانوا رفقاء الدرب؛ منهم غازي كيال، وأمين ساعاتي، ومحمد كعدور، ومدني رحيمي.
وبطبيعة الحال، سحبني الشغف الرياضي لأدخل دورة تحكيم، وأصبحت حكمًا يُشار لي بالبنان بأني أصلح لكل شيء… ربما ما عدا أن أكون حكمًا!
فقد تركت التحكيم بعد سنوات قليلة جدًا، لأني كنت عندما أشارك في تحكيم مباراة يكون طرفها الاتحاد أقسو عليه، خوفًا من أن أتخذ قرارًا في صالحه نتيجة عاطفتي، فتركت هذا المجال الذي يجعلني لا أنصف من أحب.
ولكن هذا الشغف لم يكن للممارسة بقدر ما كان هواية، وأيضًا مماحكة مني للحكام.
كنا نجتمع في مقهى العم صالح رقبان، ابن حارة البحر، الذي هام في بحر جدة حبًا وعملًا.
فقد بدأ حياته ربانًا ضمن الربابنة الذين ينظمون القوارب ويشرفون على أعمالها، ولم يكن الأمر يخلو أحيانًا من طلعة بحرية يمارسون فيها صيد السمك، الذي يتحول إلى الصيادية الجداوية.
فهم أهل البحر، ورواده، ومحبو أمواجه وأسماكه، وكيف لا، وهم أبناء حارة البحر الجميلة، التي لم تكن مجرد حارة، بل عائلة ممتدة، يعايش كل من فيها آمال الجار وأحلامه، بل وغير الجار القريب. فقد كانت الجيرة لا تعترف بجدار، ولا حتى بأسوار إن وجدت، فنقاء القلوب كان يحطم أعتاها وأصلبها.
انطلق صالح رقبان في عمل الربابنة فترة من الزمن، ولكن ذلك العمل بدأ يتضاءل، وقلَّت المداخيل، والرزق يحب الخفية.
وصالح، إضافة إلى حبه للعمل وطلب الرزق، كان عشريًا لا يعيش إلا مع الناس، فطنَّت في رأسه فكرة مقهى يجمع الناس على مسرح الحياة.
وهكذا أنشأ مقهى الرقبان على شارع الملك عبدالعزيز، وكانت بينه خطوتان عن شارع قابل، وخطوتان عن مؤسسة النقد.
لقد كنا نجتمع عند العم صالح، أنا وجمع من الرياضيين، وأكثرهم من الحكام، بل إن بعضهم كان يأتي من الملعب إلى المقهى مباشرة.
وكنا ندخل في جدل محبب عن التحكيم وأدائهم، وننتقد بكل أريحية.
ويبدو لي أن مؤسسة النقد لم تأتِ بالصدفة هناك، ولكن… شتان بين نقد ونقد!
المهم، كان العم صالح هو حمامة السلام.
كنا نعتقد أنه غير موجود ونحن نتداول الحديث، وعندما يبدأ النقاش وترتفع الأصوات، أو يشتد الاختلاف، نجده قد حضر فجأة، وهو يقول:يا جماعة… صلوا على النبي.وأول ما تهدأ النقاشات، يدلو بدلو الخبير المحنك، وكان ذلك مسك الختام.
طبعًا، كنت واحدًا ممن يطرحون أسئلة غالبًا لا إجابة لها.
صالح رقبان لم يكن وحده عندما أنشأ المقهى، فقد ساعده أبناؤه.
وكان عبد الله رقبان أكبر الأبناء، ومنذ طفولته كان يساعد والده، ويتلصص بين حين وآخر ليسمع الأحاديث عن الاتحاد، وأراقب العم صالح وهو يشير إليه بطرف عينه، بمعنى:خلاص… روح البيت، وراك مدرسة.
علمه المقهى حب الناس، وعلمه الطموح أيضًا.وكان يراني وبعض الزملاء، وكنا صغارًا في السن، في سنواتنا الأولى بعد التخرج، فعشق عبد الله العسكرية.
مرت الأيام، وتحققت الأحلام.
فإذا بعبد الله يدخل الكلية الأمنية، ويصبح ضابطًا.وما أحلى، ولا أجمل، عندما يمر ويراه رفقاء دربه في حارتهم الأثيرة، والنجوم تلمع على كتفيه، وكأني به يقول:
نحن هنا. وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن ألا تلاقيا.
تعينت مديرًا لمرور جدة، وإذا بعبد الله رقبان أحد ضباطها.
ولم يكن مجرد إنسان يحمل نجومًا، بل كان يحمل همومًا، وعلى رأسها كيف يخدم وطنه، وينجح في عمله، ويقدم لوالده، ولذلك المقهى، بعض الجميل.
عمل معي عبد الله مسؤولًا عن السير، وكان من الضباط المميزين، استثمر ما تربى عليه من طيبة، وحسن تصرف، ونخوة أبناء الحارة، في عمله، وفي علاقاته التي كانت تصب في مصلحة المجتمع وإدارة مرور جدة.
ترك عبد الله حلم حياته الأول مبكرًا، ليبدأ في تحقيق حلم آخر.
أنشأ عيادات الرقبان، التي بدأت صغيرة، ولكنها كبرت مع العمل الراقي، والنية الطيبة الصادقة في خدمة المجتمع.
غادرت مكتب عبد الله، وأرى عيناه تناظران صورة والده، وهو يعتمر تلك العمامة البلدي ، وكأني به يقول:
أوحشتنا يا تاج رأسي. من مقهى كان يجمع الناس على فنجان قهوة وكلمة طيبة، إلى عيادات تجمعهم على علاج وأمل… اختلف المكان، وبقي إرث العم صالح كما هو: خدمة الناس، والمحبة بينهم.
فخرجت وأنا أردد في نفسي:
يا عم صالح… ترى من خلَّف ما مات.
تمر الأعوام بكل ما فيها من تفاصيل، ولكن تبقى الذاكرة من يقرر ماذا تحفظ… وما كل ما يُحفظ يُقال.
:::
0


