كتاب الرأي

ليس كل علامة استفهام بريئة!!ِ

لو صدرت هذه التغريدة من مواطن عادي، أو من إعلامي يجتهد في قراءة المشهد السياسي، لربما مرت مرور الكرام، ولم تستدعِ كثيراً من التوقف. لكن عندما تصدر من شخصية أكاديمية معروفة، وأستاذ للعلوم السياسية، ارتبط اسمه لسنوات بقربه من دوائر صنع القرار في أبوظبي، فإنها تكتسب ثقلاً مختلفاً بحكم مكانة صاحبها وتأثيره. والمسألة هنا لا تتعلق بما أراد كاتب التغريدة قوله، وإنما بما قد يفهمه المتلقي. فالقارئ، سواء كان في المملكة أو في أي دولة أخرى، قد يقرأ هذه التغريدة على أنها تحمل نبرة تشكيك أو تهكم تجاه المملكة، ومعها مصر وتركيا وباكستان، لا سيما أنها جاءت في توقيت كانت فيه التطلعات تتجه إلى تعزيز لغة التهدئة وتقريب وجهات النظر، لا إلى إثارة تساؤلات تحمل أكثر من وجه للتفسير.

فبعد أيام قليلة من الترحيب الواسع بالتفاهم السعودي الإماراتي بشأن تهدئة الخطاب الإعلامي، وما تبعه من رسائل إيجابية أكدت عمق العلاقة بين البلدين، خرج الدكتور عبدالخالق عبدالله متسائلاً: “أين الحليف الإسلامي باكستان الذي وقع في 17 سبتمبر 2025 على اتفاق دفاعي استراتيجي مشترك مع السعودية؟ وأين المحور التركي الباكستاني المصري السعودي الذي بشر به البعض؟”. وليس من حق أحد أن يمنع التساؤلات أو النقاش السياسي، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن من حق المتلقي أيضاً أن يتساءل: لماذا هذا السؤال؟ ولماذا الآن؟ ولماذا صيغ بهذه الطريقة التي توحي بأن تلك الدول غائبة أو عاجزة، وكأنها موضع سخرية أكثر من كونها محل استفسار؟

إن السياسة الخارجية للمملكة لم تُبنَ يوماً على استعراض التحالفات أو التفاخر بها، بل على إدارة المصالح وفق معطيات كل مرحلة. فهي لا تدخل في محاور جامدة، ولا تجعل من الاتفاقيات عناوين للاستهلاك الإعلامي، وإنما تتعامل معها باعتبارها أدوات سيادية تُفعَّل عندما تقتضيها المصالح الوطنية والأمن الإقليمي. كما أن الاتفاقيات الدفاعية ليست تعهداً بأن تتحرك جميع أطرافها في كل أزمة، ولا يعني عدم ظهور أثرها إعلامياً أنها فقدت قيمتها أو أصبحت بلا مضمون. الدول تتخذ قراراتها وفق حسابات معقدة تتجاوز ما يُكتب في منصات التواصل الاجتماعي.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن تأتي مثل هذه التغريدة في وقت كان الجميع يعول فيه على أن تسهم الشخصيات المؤثرة في ترسيخ أجواء التهدئة، لا أن تفتح أبواباً جديدة للتأويل والجدل. التهدئة ليست مجرد الامتناع عن الإساءة المباشرة، بل تشمل أيضاً تجنب الرسائل التي قد تُفهم على أنها استفزاز أو انتقاص أو تشكيك. إن المملكة العربية السعودية أكبر من أن تُستدرج إلى سجالات إلكترونية، وأعمق خبرة من أن تدير علاقاتها الخارجية بمنطق الرد على التغريدات. فهي دولة تعرف متى تعلن، ومتى تصمت، ومتى تجعل أفعالها تتحدث عنها، ولذلك بقيت سياستها تحظى بالاحترام حتى من خصومها قبل حلفائها.

وإذا كان الاتفاق على تهدئة الخطاب الإعلامي يعكس حرص وحكمة القيادتين في المملكة والإمارات على حماية العلاقة الأخوية من أي توتر، فإن نجاح هذه التهدئة يتطلب أيضاً أن يكون الخطاب العام، ولا سيما الصادر عن الشخصيات المؤثرة، منسجماً مع هذه الروح، وأن يبتعد عن الرسائل التي قد يفسرها المتلقي على أنها تهكم أو تشكيك، حتى وإن صيغت في هيئة سؤال؛ فليست كل علامة استفهام بريئة، وبعضها يقول أكثر بكثير مما توحي به الكلمات.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى