• د أحمد بن حسن الشهري
لا يزال صدى المبادرة السعودية لإنشاء تحالف بحري دولي لأمن وحماية الممرات المائية يتردد في وسائل الإعلام العربية والإسلامية والدولية، بوصفها واحدة من أبرز المبادرات الإستراتيجية التي تستهدف حماية الإقتصاد العالمي وصون حرية الملاحة الدولية بعيداً عن التهديدات والاعتداءات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ولم يكن هذا الإهتمام وليد اللحظة، بل جاء انعكاساً لمكانة المملكة العربية السعودية وثقلها السياسي والإقتصادي، ودورها المتنامي في صناعة الأمن والإستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد أدركت المملكة منذ وقت مبكر أن أمن البحار والممرات المائية لم يعد قضية تخص الدول المطلة عليها فحسب، بل أصبح قضية عالمية تمس مصالح جميع الشعوب والدول، إذ يمر عبر هذه الممرات جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومن هنا جاءت المبادرة السعودية برؤية شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية، لتؤسس إطاراً دائماً للتعاون الدولي يهدف إلى حماية الملاحة، وردع الإعتداءات، وضمان استمرار انسياب التجارة العالمية دون تهديد أو ابتزاز.
وتمثل هذه المبادرة امتداداً طبيعياً للنهج السعودي القائم على ترسيخ الأمن الجماعي وتعزيز الشراكات الدولية، فالمملكة لا تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره شأناً محلياً، بل تعتبره جزءاً من أمن العالم واستقراره الإقتصادي . ولذلك جاءت الدعوة إلى تحالف بحري واسع يجمع الدول المتضررة والمستفيدة من سلامة الممرات المائية، في رسالة واضحة مفادها أن حماية البحار مسؤولية جماعية لا يمكن أن تتحملها دولة واحدة مهما بلغت إمكاناتها.
وتستند المبادرة إلى مبادئ القانون الدولي وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول، بعيداً عن منطق التصعيد أو عسكرة الممرات البحرية. فهي تسعى إلى بناء منظومة ردع قانونية وعملياتية تحول دون استهداف السفن التجارية أو تهديد البنية التحتية البحرية أو استخدام الممرات المائية كورقة ضغط سياسية. وهذه المقاربة تعكس السياسة السعودية التي توازن بين الحزم في مواجهة مصادر التهديد، والانفتاح على التعاون الدولي لتحقيق الأمن والاستقرار.
كما تؤكد المبادرة أن المملكة لم تعد تكتفي بدور المتلقي للتحديات، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في صناعة الحلول الدولية. فبفضل موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وثقلها الاقتصادي باعتبارها إحدى أكبر الدول المصدرة للطاقة، تمتلك المملكة من المقومات ما يجعلها قادرة على قيادة مبادرات استراتيجية تخدم المجتمع الدولي بأسره، وليس المنطقة وحدها.
ولعل ما يميز التحالف البحري المقترح أنه لا يهدف إلى حماية ناقلات النفط فحسب، بل يسعى إلى تأمين حركة التجارة العالمية بكاملها، بما في ذلك السفن التجارية، وسلاسل الإمداد، والكابلات البحرية، والموانئ، والمنشآت الحيوية المرتبطة بحركة الاقتصاد العالمي. فكل اضطراب في هذه الممرات ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وأسواق الغذاء، ومعدلات التضخم، الأمر الذي يجعل أمن الملاحة ركناً أساسياً من أركان الأمن الاقتصادي العالمي.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تحظى المبادرة السعودية باهتمام واسع، لأنها تقدم رؤية عملية لمعالجة أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع الدولي. فهي لا تكتفي بإدانة الاعتداءات، بل تطرح آلية مؤسسية للتعاون وتبادل المعلومات والتنسيق الأمني والعملياتي، بما يعزز قدرة المجتمع الدولي على منع التهديدات قبل وقوعها، وليس الاكتفاء بالتعامل معها بعد حدوثها.
وفي المحصلة، تؤكد هذه المبادرة أن المملكة العربية السعودية أصبحت اليوم لاعباً محورياً في ترسيخ دعائم الأمن والسلم الدوليين، وأن رؤيتها تتجاوز حدودها الوطنية إلى فضاء المسؤولية الدولية. فمن خلال الجمع بين القوة الدبلوماسية، والقدرة الإقتصادية، والموقع الجغرافي، والرؤية الإستراتيجية، تقدم المملكة نموذجاً للدولة التي تسخر إمكاناتها لخدمة الإستقرار العالمي، إيماناً منها بأن أمن الممرات المائية هو أمن للإقتصاد العالمي، وأن حماية التجارة الدولية هي حماية لإزدهار الشعوب واستقرار الدول. ومن هنا، فإن المبادرة السعودية لا تمثل مجرد تحالف بحري، بل تعبر عن رؤية حضارية تؤكد أن السلام والإستقرار يصنعان بالتعاون الدولي، وأن المملكة ستظل في مقدمة الدول الساعية إلى بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
• الكاتب والباحث في العلاقات الدولية





